مجلة الرفاهية العصرية تصدرها إيلاف بالاتفاق مع فايننشال تايمز

فن الضيافة

حمراء يا طماطم

تودع ليلى جوهر آخر أيام الصيف بوليمة عامرة بالطماطم في بوليا

باتجاه عقارب الساعة من اليسار: طماطم Datterini وPachino وPerino Giallo وPisanello © أدريانا غلافيانوباتجاه عقارب الساعة من اليسار: طماطم Datterini وPachino وPerino Giallo وPisanello © أدريانا غلافيانو

في كل صيف، يتجمّع 20 ألف شخص في قرية بونيول الإسبانية القريبة من فالنسيا ليحتفلوا بالصيف من خلال التراشق بمئات الأطنان من الطماطم، في مهرجان La Tomatina. لم أشارك يوماً في هذا الحدث، لكنني قضيت وقتاً طويلاً على الإنترنت أحدّق في صور أشخاص غطتهم حبّات الطماطم بلونها الأحمر الدموي. لا أرغب في المشاركة في هذا التراشق، لكن هذا الحدث ألهمني كي أبدأ مهرجان Tomatina الخاص بي. في السنوات الماضية، نظّمت حفلاً سنوياً، تقديراً لطعامي المفضل. تصل الطماطم إلى ذروتها في أواخر آب (أغسطس) وأوائل أيلول (سبتمبر)، لذلك يُعقد هذا الاحتفال عادةً في ذلك الوقت. في حفلاتي الطماطمية، لا تراشق بالطماطم، إنما تناوبٌ على تناول الكثير من أطباق الطماطم اللذيذة المختلفة.

ليلى جوهر في المنزل في باتو © أدريانا غلافيانو

في العام الماضي، أقيم هذا الاحتفال في نيويورك حيث أسكن، وتكوّن الطبق الرئيس فيه من طماطم شُقّ جزؤها الأعلى، وجوِّفَت ليتمّ حشوها بسلطة البطاطا، ثم أعيد الجزء المشقوق إلى مكانه، وحيث ثبّت بسمكة أنشوفة توضع أعلى كل حبة طماطم، وكأنها عمامة من الطماطم والأنشوفة. في هذا العام، كنت محظوظةً لوجودي في بوليا في ذروة موسم الطماطم، ولا مكان أفضل للاحتفال من بوليا التي تُعرف عالمياً بأصنافها المتعددة من الطماطم. يحيط البحر بهذه المنطقة من ثلاث جهات، وهي تنعم بأشعة الشمس في كل أيام السنة تقريباً. هذا هو المناخ الأمثل لنموّ الطماطم.

في بوليا، استأجرت منزلاً مع الأصدقاء والأقارب في بلدة تسمّى باتو، واقعة في جنوب المنطقة. ضمّ المنزل فرجةً كبيرةً مزروعةً بالطماطم، إضافة إلى أشجار التين ونباتات الكبّار والشمّر البرّي، وأفخم "سياج" رأيته في حياتي: 50 متراً من نباتات الغار بأوراقها السميكة، من شأنها أن تعطّر الهواء برائحة زكية مساءً. كانت الحاجة ماسّة لهذه العناصر كلّها كي تكون بمنزلة الممثلين الثانويين الذين يقدّمون الدعم للطماطم، بطلة الرواية. على مدار ثلاثة أسابيع، اشتريت وحصّلت عيّنات ممّا أمكنني العثور عليه من الأصناف المختلفة. وبنهاية الأمر، ربما عانى أصدقائي أعراض الإجهاد المتّصل بالطماطم، فبدأوا في الشعور بالانزعاج من عادتي القهرية: طماطم كرزية صغيرة تتدحرج في مقعد السيارة الخلفي، بعدما تسقط من حقيبتي، ثم وجد أحدهم حبة طماطم صفراء كبيرة على المغسلة بجانب فرشاة أسناني، وفي كل يوم تجد أنواعاً جديدة من الطماطم على منضدة مطبخنا. كانت القضية بالنسبة إليّ بحثاً مستمراً.

أنواع مختلفة من الطماطم النيئة والمقشّرة مع الجمبري وسمك الأنشوفة © أدريانا غلافيانو

هاكُم ما توصّلت إليه من نتائج: الأفضل تقشير طماطم Datterini، وهي طماطم كرزية شهيرة بقشور سميكة ولبّ غني وحلو. وأنا أجد في تقشير الطماطم أشدّ المهام المطبخية إرضاءً. أقشّرها بشقّ أسفلها، وإسقاطها في وعاء فيه ماء مغلي بضع ثوانٍ فقط، ثم نقلها سريعاً إلى وعاء آخر فيه ماء مثلج. عند إخراج الطماطم، تسقط القشرة عنها كما يسقط ثوب النوم الحريري. الأفضل أن تؤكل طماطم Pachino باليد مباشرة من الكرم (فشذى الكرم لا يُصدق)، أو نيئة في أطباق السلطة. ثم هناك طماطم Lungo، والتي أظنّها متحدّرة من مجموعة San Marzano. إنها الأفضل للصلصات واليخنات. طماطم Pisanello (سمّيت تيمناً بالرسام) حلوة وحامضة ولذيذة حين تؤكل في الخبز. اشتريت أيضاً طناً من طماطم Piennolo الصفراء وطماطم Perino Giallo، وهي صفراء أيضاً، لكنها أكبر حجماً وتشبه الإجاص. هذان النوعان من الطماطم ملائمان لتحضير سلطة ممتازة. بعد بحثٍ مستفيض، شعرت أنني جاهزة لتأليف قائمة مهرجان الطماطم لعام 2022.

سمك أنشوفة طازج في سوق تريكاس © أدريانا غلافيانو
منقوع في زيت الزيتون، وورق التين، والثوم، والشمّر © أدريانا غلافيانو

أجد في تقشير الطماطم أشدّ المهام المطبخية إرضاءً

تشكل الطماطم وسمك الأنشوفة إحدى التركيبات المفضلة عندي، أكان طازجاً أم مقدّداً. عندما اكتشفت سمك الأنشوفة الطازج في سوق السمك في تريكاس، تأكدت أن علي دمجه في الوجبة. اشتريت كيلوغرامين، وأخذتهما إلى المنزل ونقعتهما في زيت الزيتون وورق التين والثوم وسُعف الشمّر. بعد ذلك، يُغطى سمك الأنشوفة بعصيدة معدّة من دقيق الذرة المقليّ. وجدت أيضاً حبات من اللوبياء الرفيعة والطويلة التي يمكن طهوها وتناولها كاملة. طهوتها إلى أن طَريَت مع الكثير من طماطم San Marzano Lungo (المقشّرة) وورق الغار والبصل وزيت الزيتون. بعد ذلك، حضّرت سلطة من طماطم Piennolo وPerino Giallo الصفراء مع بطارخ السمك وورق الكبّار المخلل والبصل. أما السلطة الأخرى فكانت مزيجاً من طماطم Pachino وDatterini المقشّرة، حصلت عليها من الفرجة المزروعة في المنزل، تُقدم مع جبن الموزاريلا والشمّر المخلل والريحان. بشرتُ طماطم Pisanello وقطعتها (مع بعض الثوم) فوق قطع من الخبز المحمّص المقرمش، لأصنع نوعاً هجيناً من الخبز المحمّص والمكسو بالطماطم/خبز  bruschetta المحمّص. أخيراً، شويتُ دزينة من حبات الجمبري الكبيرة الحجم لأن... لمَ لا؟

أصدقاء وأقارب حول المائدة © أدريانا غلافيانو

جلسنا في ظل شجرة تين عملاقة نتمتّع بوجبتنا، مع مجموعة متنوعة من المشروبات التي تشتهر بها بوليا. غفر لي أصدقائي ما صرفت من الأسابيع في "البحث" واتفقوا على أن الأمر يستحق هذا العناء. بعد كل شيء، قشرت تلك الطماطم كلّها من أجلهم. ثمة أمور تفعلها لأجل من تحب فحسب، ومؤكد أن تقشير الطماطم هو أحدها.

شارك برأيك

0 تعليقات