مجلة الرفاهية العصرية تصدرها إيلاف بالاتفاق مع فايننشال تايمز

سفر

آفاق جديدة للمغامرة في أقاصي اسكتلندا

بسحر ساحر، حوّل الفريق الذي يقف خلف مطعم Sessions Arts Club في لندن قصراً قديماً في هايلاند إلى فندق رائع يبدو كأنه من خارج الزمن

Boath House كما يبدو من البستان © ليام بلاكBoath House كما يبدو من البستان © ليام بلاك

في زاوية ما في اسكتلندا، ثمة مكانٌ محاط بالحدائق تتوقف عنده عقارب الزمن. ليس مهماً حقاً أن يبعد موقعه الفعلي نحو 20 دقيقة بالسيارة عن مطار إنفرنس الصغير، ولا أن يكون المبنى العائد إلى القرن التاسع عشر صغير الحجم وشامخاً في الوقت نفسه، تصطف الأعمدة ونباتات اللبلاب المتعرش على جانبَيه وتحيط به أميال من الأراضي الزراعية؛ فما يحصل اليوم في العالم الحقيقي هو مجرد إلهاء بسيط عن مزاج متحرر من قيود هذا العالم يتملّك المرء حين تطأ قدمه Boath House.

"الأمر أشبه بتناول دواء يحسن المزاج... كل شيء أبطأ كثيراً، ويرغمك على الاسترخاء"

"أردنا أن نُحدث مساحة يختفي فيها الأشخاص"، كما يقول الفنان جوني جِنْت من الثنائي الذي أسس Boath House، فيما ينزل سلالم لولبية ويفتح باباً يقود إلى غرفة يتكدس فيها أثاث مصنوع من خشب السنديان أُنقِذ من التلف، غُطّي حالياً بأغطية خاصة لحمايته من الغبار. اصطحبني جِنْت، وكان يرتدي أوفرول الرسّامين الأبيض وينتعل حذاء تنزّه مصنوعاً من جلد كستنائي اللون، في جولة في هذا المكان. أشياء كثيرة تخطفك من نفسك. تقود أبواب أخرى إلى مكتبة حميمة، وحجرة تخزين مشتركة وغرفة استماع عازلة للصوت، حيث يستطيع الضيوف الاستماع إلى مجموعة مختارة من أسطوانات الفونوغراف المصنوعة من الفينيل أو الإصغاء إلى ضجيج الصمت الذي يلفّ المكان. أما في الهواء الطلق، فالفرصة سانحة لقيلولةٍ على أرجوحة شبكية فوق المجاري المائية المتعرجة، أو التعرق في غرفة سونا معزولة عن الشبكة الكهربائية، أو الاستحمام في مياه اسكتلندية تُسحَب مباشرةً من المجرى المائي.

المؤسِّسان المشاركان جوني جِنْت وراسل بوتر © ليام بلاك
المدخل © ليام بلاك

في العام الماضي، افتتح جِنْت، مع المعماري راسل بوتر، ولاحقاً مع الطاهية فلورنس نايت، مطعم Sessions Arts Club في لندن، سرعان ما تحوّل إلى واحد من المطاعم التي تلقى الإقبال الأكبر في المدينة، بفضل أطباقه غير المعهودة، وبريقه القديم الطراز، وأجوائه الفريدة. لكن طابع Boath House شبيه برواية Wind in the Willows (رياح في الصفصاف) أكثر منه برواية Great Gatsby (غاتسبي العظيم)، والمكان محطّةٌ آسرة: ففندق Boath House المؤلّف من تسع غرف نوم مستوحى من محترف جوني القديم الشبيه بالمقصورة، ومن لوح الإلهام في رواية The Secret Garden (الحديقة السرّية) لفرانسيس هودجسون بورنت، وهذا فندق ذو طابع حميم بالرغم من امتداده على مساحة واسعة، وعامرٌ بالتحف الخشبية الداكنة اللون، وبستائر للنوافذ يتلاعب بها النسيم، وأنسجة الخيش التي تتميز بملمسها، ويعمّ الهدوء في أرجاء المكان. يقول جِنْت: "هنا ينقطع الناس عن العالم، ويستكشفون فرحة ممارسة الأنشطة التقليدية ويعيشونها. حتى أننا أزلنا جميع أجهزة التلفزيون من الغرف". يضم الفندق أيضاً مطعماً يُقدّم أطباقاً مصنوعة من مكوّنات مقطوفة من الحديقة، ومساحات مزروعة بالخضار ومسوّرة بالجدران، ومقصورات للفنانين. قريباً، سيستضيفون برامج فنية.

تعرّف جِنْت على هذه المنطقة الواقعة على الخط الساحلي، على أعتاب هايلاندز قرب كاودور، من خلال تيلدا سوينتون، فوقع في عشقها بعدما عاش هنا فترات متقطعة طوال عامَين. يقول عن المقصورة الخشبية الفسيحة الواقعة في محيط قلعة على مسافة دقائق معدودة من Boath: "امتلكت نحو 40 استوديو حول العالم، لكن الاستوديو هنا هو المفضّل لدي"، مضيفاً: "إنها بوّابة مفتوحة على عالم آخر؛ تقود سيارتك 30 دقيقة وتجد فجأةً أيائل برّية وصقوراً ذهبية. تشعر كأنك في زمن ما قبل التاريخ". جِنْت مضيفٌ شديد الحماسة كان يدعو أصدقاءه لتمضية عطلة نهاية الأسبوع وممارسة الأنشطة الإبداعية والصيد والطهو. لبّى نحو 60 منهم الدعوة، وهكذا أبصرت فكرة Boath النور.

جوني جِنْت والطاهية فلورنس نايت © ليام بلاك

إنه أول مشروع مؤلف من غرف عدة ينجزه الثلاثي. لعلّ إنشاءه على بعد 570 ميلاً من لندن هو خطوة جريئة بالنسبة إلى ثلاثة أشخاص يقيمون في المدينة، وينوون التنقل ذهاباً وإياباً بين الوجهتين، خصوصاً نايت، التي ستهتم بالطهو في المطبخَين. لكن، هنا يكمن أيضاً عامل الجذب: إنه واحد من أبعد الأماكن التي يمكنك أن تقصدها جواً داخل المملكة المتحدة. يصف بوتر رحلته الأولى إلى إنفِرنِس بأنها "أشبه بتناول دواء يحسن المزاج.. كل شيء أبطأ كثيراً، يرغمك على الاسترخاء". في الواقع، حتى حين يكون فندق Boath فارغاً من النزلاء، يبدو مشبعاً بأجواء تحضّك على التمدد والاسترخاء، إلى درجة أن إخراج الكمبيوتر المحمول لإرسال بعض الرسائل بالبريد الإلكتروني يبدو أقرب إلى السلوك غير السوي.

طوال قرون، كان المنزل ملكاً لآل دونبار. بناه أرشيبولد سيمبسون المعروف بمهندس مدينة أبردين في عام 1827، ويمتلئ بنوافذ مع قناطر، وسقوف مقبّبة والكثير من الزوايا الخفيّة. بعد وفاة آخر بارونيت في سلالة دونبار في عام 1938، بقي منزلاً خاصاً حتى تسعينيات القرن العشرين، حين حُوِّل إلى فندق: وقد اكتشفه جِنْت خلال ترحاله. يقول بوتر متذكّراً التجويفات وورود السقف المطلية بالذهب، والكثير من الطلاء الأرجواني "القبيح": "كان التصميم الداخلي جامحاً جداً"، وبروح من التعاطف ساعد بوتر على استعادة سمات المنزل الأصلية وجعل الألوان حيادية.

سمك رنكة مدخّن مع زبدة البقدونس © ليام بلاك

أُنقِذ نحو 20 بالمئة من الأثاث الذي كان مستخدَماً في المساحة القديمة، ويشمل السرير مع الأعمدة الأربعة والمصنوع من خشب السنديان اللمّاع في غرفتي، والذي منحني، إضافة إلى النافذة المؤطّرة الضخمة التي تطلّ على الحدائق، وتجوالي بحرّية في المنزل الفارغ، شعوراً كأنني ماري لينوكس القرن الحادي والعشرين. يقول بوتر: "نريد أن يبدو المنزل كأنّ كل شيء فيه جُمِع بمرور الزمن". في بعض غرف النوم ألواح فلّين يستطيع النزلاء أن يدوّنوا ملاحظات عليها أو أن يتركوا عليها تذكارات عن إقامتهم في الفندق: يُعتبَر كل زائر، وكذلك كل فنان مقيم، وصياً على هذا المكان.

يُشجَّع الموظفون أيضاً على أداء دور المضيفين. ففريق شاب من بستانيين وطهاة نشأوا على صيد السمك في المياه المحلية برفقة آبائهم وأجدادهم، يصطحب الضيوف لممارسة الصيد. يضفي ذلك أجواء قروية على عادات الضيافة بفضل مزاولة وظائف غريبة. ولو كان Boath قرية قائمة بذاتها، كان زوّار الملهى فيه ليلتقوا على الأرجح "آلان المؤرخ"، كما يُسمّى، وهو من المقيمين في منطقة نيرن يحب رواية القصص، وخزّانٌ من المعرفة الاسكتلندية وبستانيٌّ لدى Boath. لقد أعدّ آلان خريطة للنهر مرسومة يدوياً وموضوعة في تصرّف الضيوف، وتتضمن المواقع الملائمة لصيد الأسماك والنزهات والسباحة، وفيها بعض الكنوز الحقيقية. "إنه السر الأكثر كتماناً الذي لا يمكنكم الاطلاع على فحواه سوى من السكان المحليين"، يقول جِنْت الذي يبحث عن خيول لوضعها في حظيرة بعدما أخبره آلان أن جزءاً من الحديقة كان يُستخدَم سابقاً حظيرة للأحصنة.

"نقوم بما هو غير متوقّع"، لكن التقاليد الاسكتلندية محفوظة بيُسر ومهارة في أرجاء المكان 

لكن التعاطف مع تاريخ Boath لا يعني الانصياع للكلاسيكيات. لا وجود لبطانيات من قماش الترتان، ولا حيوانات محنّطة؛ وليس الهاغيس الاسكتلندي طبقاً رئيساً على قائمة الطعام المبتكرة التي أعدّتها نايت. بدلاً من ذلك، التقاليد الاسكتلندية محفوظة بيُسر ومهارة في أرجاء المكان. تُستخدَم جلود الأغنام والغزلان، فيما بُنيت المقصورات بالخشب المحلي، ومُزِجت الدهانات برماد الموقد لإضفاء لمسة زنجارية عتيقة، وكأنها علامة جغرافية بدائية.

تقول نايت: "نقوم بما هو غير متوقّع"، وهذا ما تطبّقه في عملها في المطبخ. يُخفَق سمك الحدوق في البطاطا المهروسة مع بيض مسلوق فوقه؛ ويُقلى بلح البحر جيداً، فيما يُستخدَم دقيق الشوفان في قوالب الحلوى أو يُقدَّم أيضاً مع عسل الخلنج المحلي في وجبة الفطور. إذا لم تتوافر المكوّنات من مزروعات تنبت في المكان أو من الصيد، يتم ابتياعها من مصادر محلية، لكن بحلول آب (أغسطس)، أنشئت محطة لصنع المخللات وأقيم قفير نحل لتُقدَّم منتجاتهما في المطعم ولتُعرَض للبيع أيضاً. تقول نايت: "بدلاً من تمضية الوقت في التعامل مع المورّدين، تمنحني الحديقة مساحة لإجراء الاختبارات"، مضيفةً: "بطبيعة الحال، تُستخدَم المنتجات في الأطباق التي أعدّها في مطعم Sessions".

إذا رغب الضيوف أو الفنانون المقيمون في المكان في تجربة الصناعة الإبداعية للمخللات، فهم موضع تشجيع وترحيب. يكفي أن تطلب ذلك كي تنغمس في التجربة. لهذا السبب، ربما ينساب الوقت بسلاسة في Boath. الزوّار مدعوون للاستكشاف والاكتشاف ليشعروا بأنّ لا منطقة في المنزل أو الأراضي محظورة عليهم. إنها مغامرة مختلفة تماماً لمن يُقيمون في المدن.

ابتداءً من 250£؛ boath-house.com

شارك برأيك

0 تعليقات