مجلة الرفاهية العصرية تصدرها إيلاف بالاتفاق مع فايننشال تايمز

تصميم

الحياة الوردية في المغرب

تمتزج الحيوية المغربية بالدقّة الحداثية في منزل كارمن هايد مالِكة Atelier Mayer

© يورياس© يورياس

حين تدخل منزل كارمن هايد بمراكش، تغمرك ألوان غروب الشمس التي تتنوّع بين البنّي الصحراوي، والأصفر المائل إلى البنّي، والأحمر المحروق، وهذه درجات الألوان نفسها التي ينطبع بها جزءٌ كبير من فن العمارة في المدينة المغربية القديمة. هايد، التي امتهنت مجال الموضة طويلاً وزاملت إيف سان لوران في تسعينيات القرن الماضي مسؤولةً عن العلاقات العامة، أمضت جزءاً كبيراً من العام المنصرم في المدينة، وخصصت الوقت الكافي للتخطيط لمشروع جديد في مجال التصميم. إلى جانب عملها في فترات العصر في ترميم رياض مينا، ومطعم الفن المملوك من هويل جايمس وفانيسا برانسون على سطوح أحد المباني (الذي تحوّل إلى نوع من نادٍ خاص لأصدقاء أتوا من لندن وباريس وعلقوا في المدينة)، انصبّ تركيزها على تأثيث المنزل الذي اشترته قبل ثلاث سنوات حين كان قيد الإنشاء. سوف تُطلَق القطع الأولى الأحادية اللون والمصممة خصيصاً بحسب الطلب وفقاً لثيمات معيّنة – مزهريات وأوعية وأوانٍ للمائدة – في إطار علامتها التجارية Atelier Mayer التي أعادت إحياءها، إضافةً إلى مفروشات قديمة الطراز. باتت المجموعة متوفرة إلكترونياً اعتباراً من أيار (مايو)، والأسعار ابتداءً من 100£.

كارمن هايد في غرفة الجلوس المقببة المستلهَمة من قصر Le Palais Bulles المملوك من بيار كاردان © يورياس
غرفة الطعام مع جدرانها المطليّة بالجص، ومائدة مصممة بحسب الطلب، وكراسٍ مصنوعة من عيدان القصب مستلهمة من تصاميم بيار جانيريت © يورياس

وصلت هايد للمرة الأولى إلى مراكش قبل 25 عاماً. أسوةً برئيسها السابق، وقعت على الفور في عشق فكرة امتلاك منزل في المدينة والانخراط في المشهد الثقافي الدولي المتنامي والمتنوع. تقول: "يملك كلٌّ من ماريسا برنسون وروميو جيغلي منزلاً هنا، وكذلك أشخاص مثل داوكس، المؤسس المشارك لمهرجان موجا، والناشطة الفنية توريا الغلاوي"، مضيفةً: "تغيرت مراكش على مر السنين، ويظهر جيلٌ جديد من الأعمال الديناميكية والفنانين. إنها مفعمة بفرح العيش وبالنبض الإبداعي على نحوٍ لا مثيل له".

تتميز الصناعة الحرَفية في المغرب الحديث بشفافيةٍ كبيرة لا يمكن لكبريات ماركات الموضة مضاهاتها
 

يشكّل مشروع هايد الإبداعي جزءاً كبيراً من إرثها؛ فقد أسّست جدّتها الراحلة كلوديا ماير محترف Atelier Mayer في النمسا في عشرينيات القرن الماضي. أعادت هايد إطلاق هذه العلامة التجارية في عام 2007 بوصفها بوّابة إلكترونية لبيع الأزياء الفاخرة القديمة الطراز، قبل سنوات من تحوّل الاقتصاد الدائري إلى مصطلح رائج في مجال الاستدامة. تقول رائدة الأعمال المولودة في النمسا والتي تمضي أوقاتها بين مراكش ولندن وقاعدتها العائلية في باريس: "توسّعنا سريعاً وكنا نشحن إلى 104 بلدان"، مضيفةً: "أقفلت كل شيء في عام 2014 لتصويب وجهة التركيز، وهكذا بوتيك Atelier Mayer الجديد أوسع نطاقاً ويتمحور حول أسلوب الحياة والديكور الداخلي: ثمة مزيجٌ من التصاميم القديمة الطراز، والقطع المصنوعة على الطلب في محترفنا في مراكش، وهناك خدمات تصميم الديكور الداخلي. إن إعادة تحديد الغاية من القطعة والاحتفاء بالمهارة الحرَفية اليدوية في صلب الفلسفة التي تعتمدها هذه العلامة التجارية، وما زلت أواظب على ذلك. تُنقَل كل البضائع في علب قابلة للتدوير، وتُصنَع القطع الجديدة بناءً على الطلب، فلا فائض في الإنتاج". تعتبر هايد أن مجموعتها استثنائية. تتابع: "يستطيع أيّ شخص أن يأتي إلى مراكش ويذهب للتسوّق. لكنني أعمل على تنسيق مجموعة مميزة تسلّط الضوء على المهارة الحرَفية اليدوية".

شمعدانان من الثلاثينيات، ركيزتان للكتب Carl Auböck مصنوعتان من المعدن الأسود من الستينيات، ومزهريتان من السيراميك مصنوعتان يدوياً في محترف Atelier Mayer تحيط بصورة فوتوغرافية لإيف سان لوران الذي عملت معه هايد في التسعينيات © يورياس

أنماط السيراميك والنسج في الصناعة الحرَفية المغربية تروي حكايات مختلفة"

في حين أن جميع المنتجات التي أُطلِقت في أيار (مايو) أحادية اللون، وضعت هايد تصوّراً لمجموعات مستقبلية ستضيف فيها ألواناً إلى القطع. وستُستلهَم كل مجموعة من مناطق مختلفة في البلاد: تُعرَف فاس مثلاً بمؤثراتها العثمانية ودرجات اللون الأخضر. تشرح هايد: "أنماط السيراميك مهمة جداً في الصناعة الحرَفية المغربية. إنها تروي حكايات مختلفة، وأجد المصدر مدهشاً".

وجدت بعض أغراض هايد مكاناً لها في منزلها الذي قررت أن تستقبل فيه النزلاء مقابل بدل مادّي. تقول عن الأشكال الغرافيكية البسيطة: "تستند بدرجة كبيرة إلى العمل الذي انبثق من حركة Vienna Secessionist الانفصالية، وهي عبارة عن مجموعة من الفنانين النمساويين أبصرت النور في مطلع القرن العشرين، وشملت غوستاف كليمت وأوتو واغنر وجوزف هوفمان وكولومان موسر". تضيف: "تستهويني حداثتهم والمواد التي يستخدمونها والخطوط النظيفة في أعمالهم، إنما أيضاً المزيج في الطابع المستقبلي لموضة الستينيات".

في منزلها أكثر من مجرد لمسة مستقبلية رجعية، لا سيما في الصالة بالطابق العلوي وهي أشبه بما يُسمّى piano nobile (الطابق النبيل) في شمال أفريقيا، وقد استُلهِم من قصر Le Palais Bulles ذات الأشكال الفقاعية الذي يملكه بيار كاردان، والذي أعاد المعماري أنتي لوفاغ تصميمه في مطلع التسعينيات. خطوط الغرفة الجارفة المطليّة بجص tadelakt  مصقول بلون التراكوتا تَبرز بوضوح من خلال نجفة ضخمة مصممة بأسلوب Sputnik. تبدو هذه الأجواء مستوحاة من فيلم Barbarella.

الفناء المظلل بالخيزران في منزل كارمن هايد، مع سجاد وكنبات بربرية قديمة الطراز © يورياس
الباب الهندي الغائر الأثري وحديقة الصبّار في المدخل الأمامي © يورياس

تتمحور معظم المساحات في المنزل حول ثيمة فضفاضة، استناداً إلى قطع رئيسة ابتاعتها هايد من أسواق في مراكش وفي الخارج. تطبع الأنسجة المحبوكة والستائر المبالغ فيها أجواء مريحة في أجنحة غرف النوم المستلهَمة من الأسلوبَين الأفريقي والهندي، فيما تضفي لمسات من الألوان الجريئة حياةً على غرف النوم الأخرى. الأبواب الداخلية في مختلف أرجاء المنزل مطليّة يدوياً، وقد تولّى المرمِّم في متحف الفن الإسلامي في مراكش عملية طليها. يشكّل الباب الأمامي الرئيس استثناءً لها، فهو قطعة خشبية واحدة منقوشة ومزخرفة أُنقِذت من الهند، غُطِّست في الأسمنت كي تتلاءم مع الواجهة.

سجادتان Beni Rugs x Atelier Mayer، السعر ابتداءً من 500£ © يورياس


مزهرية من السيراميك مطلية يدوياً من Atelier Mayer، بسعر 200£، وطبق بسعر 45£
 
وعاء سجائر Atelier Mayer من الخمسينيات، بسعر 360£ 

في أماكن أخرى من المنزل، يبدو الطابع الجمالي الانتقائي الذي اعتمدته هايد مطعَّماً بالحداثة. المائدة الضخمة المصممة وفقاً للطلب محاطة بكراسٍ مصنوعة من عيدان القصب ومستلهمة من تصاميم بيار جانيريت الكلاسيكية التي ابتكرها لمجموعة الكراسي Chandigarh في الخمسينيات، وقد صنعتها هايد بنفسها أيضاً. وهناك عربة مشروبات قديمة الطراز أُحضِرت في الأصل من فندق La Mamounia التاريخي، ويمكن جرّها على العجلات لتناول المرطّبات قرب المسبح. اللمسات الحداثية أكثر وضوحاً في مكتبها، حيث يندمج كرسيان طويلان من Le Corbusier وكرسيان من Thonet صممهما جوزف هوفمان مع قطع أثاث Bauhaus ومكتب ضخم من العشرينيات صُنِع في الأصل لمطار في كينيا. تُضفي الأكسسوارات طراوةً على المشهد، من خلال قطع السيراميك، ومجموعة منوّعة من سلال Atelier Mayer السوداء والبيضاء، ومزهريات وشمعدانات من توقيع المصممة لارا بوهينك التي تربطها بهايد علاقة صداقة.

هايد في غرفة الجلوس في منزلها © يورياس
الجناح الأصفر الذي يجسّد نمطاً مغربياً تقليدياً "ثورياً" مستلهماً من حركة Viennese Secessionists الانفصالية © يورياس

 كان العثور على صنّاع مختلفين وبناء علاقات معهم الجزء الأكثر استهلاكاً للوقت في مشروع المنزل الجديد وفي إطلاق المنتجات، إنما كان أيضاً الأكثر متعة. تتميز الصناعة الحرَفية في المغرب الحديث بشفافيةٍ لا يمكن لكبريات ماركات الموضة مضاهاتها. على سبيل المثال، افتتحت العلامة التجارية Beni Rugs مؤخراً صالة عرض تبعد مسافة قصيرة في السيارة (تنوي هايد التعاون معها في المستقبل)؛ ستتسنّى للزوّار رؤية عشرات النساء جالسات أمام النول في المشغل. تُغسَل المنتجات التي جهُزت وتُجفَّف في الفناء، فتبدو كأنها أعمال فنية غرافيكية معروضة على رقعة قماشية Marfa، وهناك بار في صالة العرض المحاذية. يجب أن يكون هذا المكان محطة أساسية في جولة استكشافية، إلى جانب حديقة ماجوريل المملوكة من إيف سان لوران بالطبع.

المسبح مع جزيرة النخيل والسرير النهاري المصنوع من الخيزران © يورياس

لهذا السبب، التجربة كما التصاميم هي في صلب مشروع Atelier Mayer الذي أحيته هايد من جديد. سيكتشف النزلاء أنها أعدّت، بالتعاون مع طهاة متخصصين، قوائم طعام تضمّ منتجات عضوية طازجة ونبيذاً مغربياً. في كل حمامٍ مساحيق تجميل مصنوعة من مكوّنات طبيعية يقطفها يدوياً الصانع المحلي Botanika،  وهناك مدلِّكة في حال كان النزيل يرغب في مزيد من التدليل. يمتد اهتمام هايد بالتفاصيل ليشمل تعاوناً مع Marrakshi Life التي صممت بزّات الموظفين في المنزل، إضافةً إلى صالة عرض في مكان هادئ، مع أحواض زُرِعت صبّاراً وأشجار برتقال وجيرانيوم ولويزة الليمون وصبار أزرق متوهج. ما هي الفكرة من وراء ذلك؟ حين تختبر أسلوب الحياة، يمكنك أن تطلب أي منتج من المنتجات ابتداءً من وسادة مطرّزة يدوياً وانتهاءً بكنبة معيارية مغطاة بقماش الخيش – أو يمكنك أن تستعين بعلامة Atelier Mayer التجارية لإعادة تصميم منزلك بالكامل.

atelier-mayer.com

شارك برأيك

0 تعليقات