مجلة الرفاهية العصرية تصدرها إيلاف بالاتفاق مع فايننشال تايمز

أناقة

كيم كارداشيان وصنّاع الشكل

يُدير جنز وإيما غريد بعضاً من كبريات ماركات الموضة في العالم، منها Skims. في لوس أنجليس، يستكشف جوناثان هيف كيف تحول سويديٌّ مستغرق في التأمل ولندنية واثقة من نفسها نجمَين في اقتصاد صنّاع المنتجات

إيما وجنز غريد في منزلهما في لوس أنجليس © ريتش ستايبِلتونإيما وجنز غريد في منزلهما في لوس أنجليس © ريتش ستايبِلتون

أين يذهب المديرون التنفيذيون في قطاع الإعلانات لقضاء أيامهم الأخيرة قبل أن توافيهم المنية؟ بالطبع، يبقى معظمهم على الأرجح محتجزين إلى الأبد في مطهر إعداد الخطط التسويقية الموجّهة إلى العملاء. أما إلى أين يريدون الذهاب – أو بالأحرى، ماذا يريدون أن يصبحوا – فهذا أمرٌ أكثر يقيناً: يريدون أن يكونوا مالكي منتجات ومؤسّسين. فأمثال دون دريبر ومثيلات بيغي أولسن في عالم اليوم، سواءً في المبيعات أو إدارة المواهب أو التأليف أو التصميم، يراودهم جميعاً الحلم نفسه: أن يكونوا صنّاع منتجات لا مجرد مبدعين.

هذا بالضبط ما أدركته إيما وجنز غريد. فبدلاً من استخدام مؤهلاتهما في الابتكار والإقناع لبيع حقائب رائجة أو ساعات MoonSwatch أو شاحنة Tesla من إنتاج جهات أخرى، اجتمعا على الأهداف نفسها: حب وزواج وحصة وازنة من الأسهم. وها هما يديران اليوم بعضاً من العلامات التجارية في قطاع الموضة العالمية، إلى جانب بعض الشخصيات الدولية الأكثر جرأة.

العلامة التجارية الأكبر على الإطلاق في مجموعتهما هي Skims، العلامة التجارية المتخصصة في الملابس الداخلية التي أسّساها بالاشتراك مع كيم كارداشيان في عام 2019، وتُقدَّر قيمتها راهناً بنحو 3.2 مليارات دولار (تُقدَّر قيمة Calvin Klein حالياً بنحو 1.5 مليار دولار). هذه العلامة التجارية التي اختارتها مجلة Time بين الشركات الأكثر تأثيراً لهذا العام هي أشبه بعلامة Spanx التجارية للجيل Z، أي منتَج مصمم لإخفاء العيوب وللراحة يلبّي أيضاً احتياجات فئات استهلاكية أكثر تنوّعاً، ويُباع بإصدارات محدودة يُروَّج لها على نطاق واسع، بدلاً من إنتاج مجموعات موسمية.

كيم كارداشيان على لوحة إعلانية لعلامة Skims التجارية في لوس أنجليس © GC Images/Bauer-Griffin/Fupp

تعاونت Skims مع علامات تجارية عدة منذ إطلاقها، منها Team USA في الألعاب الأولمبية الأخيرة، والمصمم كيم جونز في دار Fendi، وكانت نتيجة التعاون مع جونز مبيعات تفوق قيمتها 3 ملايين دولار أميركي في الدقائق العشر الأولى لإطلاق المجموعة. وتمكّنت العلامة التجارية، من خلال جولتها التمويلية Series B في كانون الثاني (يناير) المنصرم بقيادة صندوق التحوط Lone Pine Capital، من جمع 240 مليون دولار.

تتوقّع الشركة أن تفوق مبيعاتها 400 مليون دولار في عام 2022، وثمة توقعات في السوق بأنها ستطرح أسهمها للاكتتاب العام. يؤكّد جنز: "سنُقدم على ذلك في مرحلة معيّنة. إنها جديرة بأن تتحول إلى شركة عامة، والأمر الجميل هو أن كيم [كارداشيان] وأنا لسنا مضطرَّين إلى اتخاذ قرار بهذا الشأن اليوم".

جنز سويديٌّ هادئ ومستغرق في التأمل، كان يطمح في السابق إلى احتراف ركوب لوح التزحلق. بدلاً من ذلك، أسّس مع إريك تورسْتِنسون وكالة Saturday Group للتسويق في عام 2003 ومقرّها لندن (باتت تُعرَف الآن بوكالة Wednesday Agency)، نظّمت حملات تسويقية حماسية ومثيرة لعلامات تجارية استهلاكية كانت تعاني الركود. هل تتذكرون حين غنّت بيونسيه على شاطئ رملي لحساب علامة H&M التجارية؟ وهل تعرفون سبب قبول ناتالي بورتمان أن تكون الوجه الترويجي لعلامة Miss Dior، وقبول غوينث بالترو لتكون الوجه الترويجي لعطور Hugo Boss؟ كان جنز وتورسْتِنسون وراء هذه الحملات التسويقية. كانا أيضاً العقل المدبّر وراء الفكرة المميّزة لإطلاق موقع Mr Porter للتجارة الإلكترونية (شريكة تورسْتِنسون هي ناتالي ماسينيت، مؤسِّسة Net-a-Porter). لكن جنز حصد النجاح المالي الحقيقي مع علامة Frame التجارية المتخصصة في الملابس المصنوعة بقماش الدنيم، والتي أسّسها مع تورسْتِنسون في عام 2012 وذاع صيتها بمساعدة صديقات يعملن في مجال عرض الأزياء مثل كارلي كلوس ولارا ستون.

إيما في غرفة جلوسها © ريتش ستايبِلتون

على النقيض من جنز، إيما لندنية "ذات ثقة مفرطة بالنفس" كما تقول، ولدت من أبوَين مهاجرَين من جامايكا وترينيداد. تصدح ضحكتها عالياً كبوق السيارة، وتنبض بالطاقة المفعمة بالحيوية التي قد تكون الترياق الأفضل للشخصيات الذكورية المبتذلة والشاحبة جداً التي تسيّدت دائماً مجالس إدارة الشركات.

بعدما تعرّفت إيما إلى جنز خلال عمله في Saturday Group، حققت نجاحها الكبير في موقع مؤسَّسة Good American ومديرتها التنفيذية، وهي شركة لإنتاج ملابس الجينز أنشأتها مع كلوي كارداشيان في عام 2016، وجعلت ثياب الدنيم ذات المقاس الكبير تبدو جميلة. كانت إيما تلتقي العديد من أفراد عائلة كارداشيان خلال أسبوع الموضة، لكنها لم تكن تستهزئ بفكرة مواكبتهن الموضة – كما كان يفعل كثيرون في التسلسل الهرمي لعالم الموضة – بل رأت الإمكانات التي يجسّدها انتشارهن الجنوني وشعبيتهن الواسعة. عرضت فكرة Good American أولاً على كريس كارداشيان، الوالدة ومديرة الأعمال الحاضرة في كل مكان، قبل أن تعود فتطرح الفكرة مباشرةً على كلوي.

برفقة كلوي كارداشيان التي أطلقت معها شركة Good American المتخصصة في ملابس الدنيم © ألكساندر تامارغو/ Getty Images لصالح Good American

يعيش الثنائي في حي بل إر الفخم في لوس أنجليس في عقار شيّده في عام 1938 المهندس المعماري الهوليوودي بول آر ويليامز الذي صمّم منازل لفرانك سيناترا ولوسيل بول خلال مسيرته المهنية. المنزل العائلي مليء بالأثاث من تصميم شارلوت بِرّياند وفيليب أركتاندِر، وبالأعمال الفنية من توقيع باربرا كروغر وأليكس إسراييل، وهو مساحة فسيحة وشاحبة إنما مريحة جداً مع مكان مخصص لأولادهما، غراي ابن الثمانية أعوام، ولولا ابنة الخمسة أعوام، وتوأمين انضما إلى العائلة بعدما حملت بهما أمٌّ بديلة في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.

يقول جنز: "كنت دائم الهوس بلوس أنجليس. تقع على قارعة تقاطع عالمي تلتقي فيه الثقافة والتقنية ونمط الحياة. هذا مكان يحدّد كيف نعيش حياتنا، والمنتجات التي نستهلكها كلنا. إنه مهد اقتصاد صنّاع المنتجات. انتظرت طوال حياتي التقاء أمرَين أوليهما الاهتمام الأكبر، وهما الثقافة والمستهلك. وها هما قد التقيا في لوس أنجليس. لا أعتقد أننا سنغادرها يوماً".

جنز في فنائه الخارجي © ريتش ستايبِلتون

كان الحافز وراء قدوم إيما إلى أميركا مختلفاً قليلاً: "جئت لأؤدي مهمّة. لم أرد أن أكون مجرد ناشطة أخرى على Instagram، أو أن تكتفي علامتي التجارية بكلام رمزي عن ’التنوّع‘؛ أردت أفعالاً. أدركت الفارق في السردية: مقارنةً بالمملكة المتحدة على الأقل، تواجه المرأة السوداء صعوبة أكبر حين تتبوأ منصب مديرة تنفيذية في الولايات المتحدة، وحين لا تكون الفرص متشابهة. أردت تغيير هذا الواقع".

تحوّل هذا الثنائي إلى مصدر التأثير الأكبر، لكنهما لم يمارسا  هذا التأثير على منصّة العرض، إنما على شيء ملموس إلى حد أبعد كثيراً، وهو أسلوب يومي تنتهجه شريحة واسعة من المستهلكين الأميركيين. تعود العبقرية التي يظهرانها في مساعيهما في مجال الأعمال جزئياً إلى البساطة التي يتميزان بها.

على سبيل المثال، منتجات Skims مينيمالية ومطاطة، وهي بصورة أساسية قابلة للارتداء، على النقيض من العلامات التجارية السابقة المتخصصة في الملابس الداخلية، والتي كانت غير مريحة أو صُمِّمت للفت أنظار الرجال. تقول كايتي لوبين، نائبة الرئيس لشؤون العلامة التجارية والتواصل في متجر Lyst الإلكتروني، إن Skims أحدثت تغييراً حقيقياً في فئتها، "إذ ساهمت في تحوّل السردية المتعلقة بالملابس الداخلية وفي إنعاش السوق. تضفي منتجات Skims وخصائص العلامة التجارية متعة وراحة وتميّزاً على الملابس الداخلية؛ ترتدينها لأنك ترغبين في ذلك، وليس لأنك مضطرة".

تقول إيما، مديرة المنتجات والشريكة المؤسِّسة لدى Skims: "يجسّد معظم العلامات التجارية صورة غير واقعية للمرأة؛ وأحلاماً مستحيلة مع القليل من كراهية الذات"، مضيفةً: "العلامات التجارية الموجّهة إلى الجماهير العريضة لا يصممها مبدعون عادةً، بل تُنتَج لتكون فاعلة لناحية التكلفة، وتصممها مجموعة من مرتدي البزات في قاعات الاجتماعات، حيث يُعرَض على الجدار عدد كبير من رسوم الغرافيك تمثل الإيرادات".

لكن بالرغم من النجاح الكبير الذي حققته Skims، اقترفت خطأً جسيماً على صعيد العلاقات العامة عند انطلاقتها: اعتمدت في البداية اسم "Kimono"، وهي التسمية التي تُطلَق على اللباس الياباني الذي يتّسم بأهمية ثقافية كبيرة، وذلك لسبب بسيط على الأرجح هو أن الاسم يتضمن كلمة Kim. يقول جنز: "راودني شعورٌ مريع في ذلك الوقت، لأننا لم نستوعب كيف أننا لم نتنبّه إلى الأمر، لكن طريقة تعاملنا مع التداعيات كانت من أفضل اللحظات في مسيرتي المهنية – فقد أصغينا، واعتذرنا، وتحرّكنا. وتفهّم الجمهور الأمر. لقّنَنا ذلك درساً في العلاقة المتبادلة مع جمهورنا، وأدركنا أنه حين تكون شفافاً لا داعي لأن تكون مثالياً".

يسلّط ذلك الضوء أيضاً على تحديات العمل مع المشاهير الذين يكونون في معظم الأحيان تحت مجهر الرأي العام. يقول جنز: "ما يزيد الأمور تعقيداً هو أنك تعمل مع المصالح التابعة للعلامة التجارية في مواجهة مصالح أخرى. من حسن حظي أنني أعمل مع أشخاص يثقون بي للقيام بعملي. أعتقد أنه يجب أن يبدي جميع الأشخاص المبدعين استعداداً لتخطّي الحدود، ومهمتي أن أحوّل ذلك الطموح إلى رؤية بالتعاون معهم، ثم أنقل تلك الرؤية إلى الجمهور. لذلك، لا أعتقد أن العمل مع كيم كارداشيان مختلف عن العمل مع سواها من المديرين الإبداعيين الرائعين".

قدّم جنز أيضاً المساعدة إلى طوم برايدي – الذي هو نظير ديفيد بيكهام في كرة القدم الأميركية، وزوج عارضة الأزياء جيزيل بوندشن – لإطلاق علامته التجارية الخاصة في مجال الملابس. يروي: "استغرق الأمر نحو خمس سنوات مع طوم، ابتداءً بالمحادثات الأولية وانتهاءً بتطوير المنتج. لم يعد كافياً صنع منتج رائع؛ بل يجب أن تملك وجهة نظر معيّنة. يروي هؤلاء الأشخاص حكايات مدهشة وفريدة. لكن أياً كانت الجهة التي تعمل لصالحها، عليك أن تؤمن بعنصر القوّة في ما تبتكر. ولا شك في أن الشهرة عامل مسرِّع جداً في هذا الإطار".

"تجسّد معظم العلامات التجارية أحلاماً مستحيلة مع القليل من كراهية الذات"

يقول جنز بحماسة إن القاسم المشترك بين العلامتَين التجاريتين Skims وBrady هو أنهما أبصرتا النور في حقبة راودها الخلل في التوزيع، شأنهما في ذلك شأن العلامات التجارية الأميركية الكبرى كلها، مضيفاً: "ترافقت الموضة السريعة مع طفرة في المراكز التجارية الأميركية. إذا كنا نتحدث عن مثيلات العلامتَين التجاريتين Warby Parker وNet-a-Porter [اللتين انطلقتا كمتجرَين للتجزئة مخصصَين فقط للتجارة الإلكترونية]، وعن الحقبة الأولى لظهور النموذج القائم على البيع مباشرةً إلى المستهلك، فعلاماتنا التجارية هي جزءٌ من اقتصاد صنّاع المنتجات. أتاحت لنا نماذج التوزيع الجديدة إطلاق هذه الأعمال".

الولاء ركيزة أساس في مثل هذه الأعمال؛ إن لم يكن منتجك موثوقاً، وإن كنت تبيعه بسعر أغلى، فلن يعود الزبائن لشرائه. في هذا الصدد، تقول إيما: "أرادت شركة Good American أن تضع الصورة والأسلوب والتناسق في صدارة المشهد في ما يتعلق بتصميم ملابس يومية تلائم في الواقع أغلبية النساء في أميركا. منذ البداية، كنا واضحين جداً وأظهرنا تصميماً كبيراً على إنتاج ملابس بهذه المواصفات". ليس مفاجئاً أن تتكلل هذه المقاربة بالنجاح، إذ يُتوقَّع أن تتخطى قيمة مبيعات Good American مبلغ 200 مليون دولار في عام 2022، أي بزيادة سنوية قدرها 70 بالمئة.

لماذا لا يُبدي المزيد من العلامات التجارية المتخصصة في الموضة اهتماماً بإنتاج ملابس للمقاسات الأكبر؟ تتابع إيما: "تعاني المنظومة خللاً. أردت الإفادة من منظومة لا تهتم بتلبية احتياجات أغلبية المستهلكين؛ فلمستُ فرصة لإنتاج علامة تجارية شاملة متخصصة في الملابس المصنوعة من الدنيم وتتمتع بمواصفات جمالية، ولمست أيضاً فرصة لتحدّي المؤسسة القائمة. استمتعت بالأمرَين معاً، صدّقوني".

في موازاة ازدهار العلامة التجارية، تتعزز أيضاً مكانة مالكتها إيما التي حلّت مؤخراً ضيفة على لجنة التحكيم في برنامج Shark Tank (خزان القرش) وهو النسخة الأميركية من برنامج Dragon’s Den (عرين التنين). كيف يؤثّر نجمها الصاعد في متطلباتها في مجال الأعمال؟ تجيب: "بصراحة، أردت أن ’أردّ الجميل‘، كما يُقال في لوس أنجليس. يبدو كلاماً مبتذلاً لكننا جمعنا بعض المال، وكان مهماً بالنسبة إلي أن أنقل إلى الآخرين ما تعلمته في الأعوام السبعة أو الثمانية التي انقضت منذ انطلاقة Good American وSkims. بالأمس فحسب كنت أبحث بعدُ عن الدعم المالي".
 
إيما ناجحة وفخورة ولا تشعر بالندم. لا عجب في أنها تنسجم مع الأضواء وعدسات الكاميرات وصنّاع الصفقات في لوس أنجليس. في الواقع، يدفعنا ذلك إلى الاعتقاد أن بإمكان علامات تجارية بريطانية أخرى أن تُفيد من جرعة إضافية قليلة من الثقة بالنفس والرغبة في تحقيق نتائج باهرة وعميقة الأثر، بدلاً من الاكتفاء دائماً بلعب ورقة الابتكار العادية.
 
سألتُ إيما إن كان الوقت الذي قضته في أميركا قد أحدث تغييراً فيها؟ "لا أعتقد أنني تغيرت على الإطلاق. لا نصدر كتباً سنوية عن محطات العام السابق في إنكلترا، لكن لو كنا نفعل، لكُتِب عني ’حظوظها بالنجاح كبيرة‘. ما زلت الشخص نفسه، فأنا صعبة المراس لكنني لست بغيضة. إنها طريقة جديدة للقيام بالأعمال، برسم الجيل المقبل من أباطرة الأعمال".

شارك برأيك

0 تعليقات