مجلة الرفاهية العصرية تصدرها إيلاف بالاتفاق مع فايننشال تايمز

الشراب

لهذا أحب حانة النبيذ!

الحانات القديمة المزدحمة والمضاءة بالشموع في قلب لندن لم تفقد سحرها بعد، وما زالت تمثل ممراً إجبارياً لمداواة الشعور بالحنين وصنع لحظات لا تمحى من الذاكرة

Gordon’s Wine Bar t في لندنGordon’s Wine Bar t في لندن

لدى أغلب اللندنيين الذين أعرفهم من عمر معين قصة عن حانة Gordon’s Wine Bar، ففي ما قبل ظهور Tinder، كان الموعد مع المجهول، يحرّكه النبيذ الأحمر في قبوه المظلم، طقساً تحولياً إلى حد كبير. تلك الحانة التي تأسست في عام 1890، تحت محطة تشارينغ كروس مباشرة، هي أقدم حانةٍ تقدم نبيذاً في لندن. لكنني أخشى أن تكون أهميتها التاريخية قد فاتتنا آنذاك. لم نكن نعرف شيئاً عن الأجبان واللحوم الباردة والمقدّدة. وكانت معرفتنا بالنبيذ أقلّ. إن السبب وراء حبنا جميعاً لحانة Gordon’s هو أنها كانت مظلمة، وكان الشراب فيها رخيصاً. وهذا بالضبط ما تحتاجون إليه في عشرينياتكم لتمضية وقت ممتع.

كنت قد نسيت أمر Gordon’s. وذات يوم، بينما كنت جالسة في حانة أنيقة للنبيذ أرتشف نبيذاً فواراً مفعماً بالحيوية من صنع سلوفينيا، خطر في ذهني ذاك الكهف المسائي. وفجأة، شعرت بحنين عظيم إلى ذلك النوع من الأماكن المزدحمة والمضاءة بالشموع والمتشابكة، حيث ينشغل الجميع في الثمالة فلا يُلاحِظون أثر الفلين في طعم النبيذ.

لذلك، وللمرة الأولى منذ 20 سنة، عبرت منحنية مدخل Gordon’s الضيق. كان المكان مظلماً ورطباً أكثر مما أتذكر، وكان السقف المقبب منخفضاً جداً، فما وسعني الوقوف مستقيمة في بعض الأماكن. تراقصت الشموع، فأنارت الوجوه والزجاجات وأطباق العنب والجبن، وبدا المشهد لوحةً فنيةً تقريباً. يبدو أن قائمة النبيذ، المستهلكة لفرط استخدام الناس لها والقابلة للطي، تحاول مواكبة العصر، فكثير من خياراتها قد صنفت "طبيعية" أو "خضرية"، وأضيف إليها أيضاً نبيذ خالٍ من الكحول. لكن المطمئن، في الإجمال، أنها ما زالت مُعدّة لـ"إرضاء الحشود". لا أتذكر آخر مرة شاهدت فيها Bucks Fizz وMimosa وKir Royale في القائمة ذاتها.

لاستذكار الأيام الغابرة، طلبت كأساً من نبيذ Bordeaux Supérieur، وثمنه 7.50£، إنَّها العلامة التجارية الفاخرة لحانة Gordon’s ذاتها، واحتسيته بينما تدوي أصوات قطارات مترو الأنفاق تحت قدميّ. خيّل إليّ أن زملائي الرواد هنا كانوا سياحاً أكثر منهم محبين للمكان، لكن الرؤية كانت صعبة ومشوشة. وحين هممت مغادرةً، كان الحارس مشغولاً برواد قد اصطفوا على الرصيف خارجاً. ما كانت حانة Gordon’s القديمة منظمةً كما هي اليوم.

حانة Le Beaujolais في وست إند بلندن

بحلول وقت مغادرتي، أشد ما كنت أرغب فيه هو سيجارة Gauloise مشتعلة

من هناك، توجهت إلى ساحة ليستر وحانة Le Beaujolais التي تقدم نبيذاً فرنسياً، وهو مكان آخر ترددت إليه قديماً أهملته فترةً أطول مما ينبغي. وإذ يزدحم بتذكارات من خمسة عقود، يشبه جوّه قليلاً جو الكهف. يتزين السقف المنخفض بأكواب وربطات عنق رجالية (استُبعِدتُ من النادي المخصص للأعضاء في الأسفل)؛ أما الحانة فمليئة بالرسوم والصور الباهتة. ويبدو أن الأثاث ظل على حاله ولم يتغيَّر منذ عام 1972. فتلك اللطخة بالتبغ مستحيلٌ الحصول عليها إلا بسنوات عديدة من الاستخدام المكثف. قائمة النبيذ المتباهية بفرنسيَّتها قصيرة وتفخر بتقليديَّتها، ففيها الكثير من أنواع النبيذ القروي غير المتكلف والنبيذ المحلي، إلى جانب زجاجات قيّمة تحمل أسماء "محترمة". تميل هذه اللائحة إلى البورغندي والبوجوليه، فإذا كنتم جادين في التعرف على مجال البوجوليه الخاص بكم، فهم يقدمون نبيذاً من 10 كروم يملكها المنتج المرجعي هنري فيسي.

حشرنا صديقي وأنا نفسينا بين رجلين أشيبين يتحدثان عن رياضة الكريكت، وطاولة جلست عليها شابات يتزينَّ بالكحل ويرتدين قبعات البيريه، وطلبنا 2015 Albert Bichot Pinot Noir لطيفاً جداً وصحناً ضخماً من الأجبان. ومع احتساء النبيذ وتصاعد الضوضاء، شعرت بحس متزايد من الوداعة. وبحلول وقت المغادرة، أشد ما كنت أرغب فيه هو سيجارة Gauloise مشتعلة.

لم يُطلَق Winemakers Club في فارينغدون إلا في عام 2014، لكن مثل أفضل حانات النبيذ كلها، يبدو كأنه موجود منذ الأزل. يقع في الأقواس القرميدية العالية في Holborn Viaduct، وهو متجر للنبيذ منذ العصر الفيكتوري، ولا يوفر وسائل الراحة الحديثة؛ فالكراسي قاسية، والإضاءة خافتة، لكن المكان محبوبٌ بسبب أسعاره الحريصة، وقائمته غير المبالغ بها من النبيذ ذي الإضافات القليلة.

يمكنكم الاعتماد طوال الليل على "خيارات الموظفين" مقابل 5£ للكأس (شربنا نبيذ Chianti حريرياً من Tenuta di Carleone، ونبيذ Sin Nombre ذهبياً من Castilla y León، ونبيذ Les Tètes برتقالياً حاد الطعم من منطقة لوار). لكن الحيرة تتجمع كلها وتتكاثر في الرأس الأسئلة داخل محل بيع الزجاجات، حيث تزدحم الرفوف بزجاجات نبيذ من منتجين صغار مثيرين للاهتمام، وهناك دائماً زجاجات مفتوحة للتذوق. تبلغ تكلفة تقديم نبيذ تأتون به بأنفسكم 14£ لكل جولة، باستثناء الفترة الممتدة بين 12 ظهراً والرابعة بعد الظهر، حين يكون ذلك مجاناً. الطعام بسيط، وهو ما أتوق إليه مع هذا النوع من النبيذ: باتيه البط المتبل، والسلامي بالشمر، والأنشوفة على الخبز المحمَّص.

غريبٌ Winemakers Club هذا، فحارس المدخل كلبٌ لا غير، وثمة بيانو منتصب في وسطه، أما المرحاض فهو في الخارج. البرد قارس قليلاً هنا (خذوا معكم معطفاً شتاءً وربيعاً وخريفاً)، لكن أرجاءه تتردد بالهتاف البهيج. اعرفوا الآتي: إذا اتصلتم بي ولم أرد، فربما لأنني هنا.

سبع زجاجات رائعة

نبيذ Corbières Château La Bastide 2018، بسعر 12.50£، bottleapostle.com
نبيذ The Society’s Muscadet Sèvre-et-Maine sur Lie 2020، بسعر 7.75£، thewinesociety.com
نبيذ Gonzalo Gonzalo Tempranillo "Gran Cerdo" 2020، بسعر 11£، shrinetothevine.co.uk
نبيذ Berry Bros & Rudd Good Ordinary Claret 2019، بسعر 11.95£، bbr.com
نبيذ Sauvignon A Peu Pres، بسعر 13.95£، swig.co.uk
نبيذ Jean-Claude & Didier Aubert Vouvray Sec، من عام  2019، بسعر 14.95£، yapp.co
نبيذ 2019 Château Le Roc Bordeaux، بسعر 9.95£، jeroboams.co.uk

شارك برأيك

0 تعليقات