مجلة الرفاهية العصرية تصدرها إيلاف بالاتفاق مع فايننشال تايمز

أناقة

ليلى موسى: "أصمم لكل امرأة تشبهني"

عاشقة للهند وقارئة نهمة للميثولوجيا، تقرأ بين سطورها أفكاراً غير مألوفة تحولها تصاميم مبتكرة، وتدعو لإنقاذ الحرف اليدوية التي تندثر، فتموت بموتها ثقافات الشعوب

من تصاميم ليلى موسىمن تصاميم ليلى موسى

"التأثر بالحضارات المختلفة جزء أساسي من تكويني، أنا المولودة في لبنان، والمستقرة في المملكة العربية السعودية التي عشت في أرجائها قرابة خمسة عقود". هكذا، وبكلمات قليلة، تقدّم المصممة ليلى موسى نفسها، مضيفةً: "أسفاري في مشرق الأرض ومغربها، في آسيا وأوروبا، تركت أثراً كبيراً في شخصيتي وفي تعبيري عن نفسي من خلال تصاميمي". 

المصممة ليلى موسى

تتعدد مواهبها، فهي مصممة الملابس والمعاطف والقفاطين وجامعة التحف القديمة والناقدة والقطب في التصميم الداخلي، وصاحبة علامة Layla Moussa Designs التجارية التي تصفها بقولها إنها "تنبع من العصور الغابرة، وقد بُعثت في الحياة بِسِمات عصرية، وتحمل في طياتها ابتكاراً لكل امرأة تميزت من النساء... لكل امرأة أثبتت حضورها في هذا العالم... ولكل امرأة عصرية تشبهني". وهي ترى أن لكل مرحلة من مراحل حياتها بداية محددة ونهاية محددة، وكل مرحلة من المراحل تحمل تنويعاً يعبّر عن شغفها بتلك "اللحظة التي هي دليلي إلى اللحظة التي تلي".

ولدت موسى في لبنان ونشأت فيه، ثم تزوجت وانتقلت للعيش في المملكة العربية السعودية في سبعينيات القرن الماضي، فكان انتقالها هذا عنواناً لتعددية معرفية أثرت شخصيتها، وقدّمتها على نظيراتها. فالتلاقح الثقافي، ولو اختلفت الثقافات قليلاً إذ تنبثق من بوتقة عربية واحدة، منحها سعةً في الإبداع بعدما دمجت في تصاميمها روحاً تنمّ في بعض تفاصيلها عما بقي في نفسها من لبنان. أقامت أول معارضها في مدينة جدة في تلك الحقبة. تتذكر: "كانت السبعينيات مرحلة وفرة في التاريخ الاقتصادي للشعب السعودي، فكان أول مشروعاتي متجراً على نمط الـ ‘بوتيك’، ملأته تحفاً قديمة، وشهد إقبالاً كبيراً، وخيّمت عليه رؤيتي المختلفة إلى معايير الموضة". هذا جلي فعلياً، فموسى لا تجري خلف الجديد، ولا تجاريه، إنما تصنع جديدها الخاص، وتفرضه تلقائياً على اتجاهات الموضة. برأيها، "أطرق بوابة خاصة لأعرف المرأة الماثلة أمامي وشخصيتها بشكل أفضل، فينفتح لي أفقٌ واسعٌ، وأرى بعين القلب أي تصميم يلائمها، كأنها فكرة تشعشع في ذهني، وتبعثُ حيةً على الورق، ثم على القماش".

أحد تصاميم ليلى موسى المستوحاة من التراث الشرقي

تنظر موسى إلى الثوب بعين الرؤية الحديثة. بالنسبة إلى الرجل في السعودية خصوصاً وفي دول الخليج عموماً، لهذا الثوب رمزية كبيرة: "إنه اللباس الوطني، وفيه تنحشر حضارة طويلة الأمد، ضاربة جذورها في تاريخ هذه الأرض، وفيه سمات الرجل هنا وقيمه التي يعتز بها. التزام الثوب دلالةٌ على التمسك الجمعي بالتراث والتاريخ، كأنه مجبول من رمال الصحراء، وخيطه مغزول في واحة من واحاتها. لهذا أحبه، ولهذا أتممت مجموعتي بالثوب السعودي، تصميماً جديداً أو تطريزاً مميزاً". 

تصمم ليلى موسى الملابس وهي مؤمنة بتلاقح الثقافات في مجال الموضة
تصميم تراثي آخر من ليلى موسى يلائم المرأة العصرية

في مقابل الثوب عباءة النساء في السعودية. إنها تمثيل لترادفٍ يعبّر عن البيئة الخليجية أفضل تعبير. تقول موسى: "أحب العباءة حباً جماً، وأدعو النساء هنا إلى التمسك بها. إنها رداءٌ راقٍ جداً وأنيقٌ جداً، يضيف إلى أناقة المرأة السعودية هيبةً وجمالاً". بحسبها، هذه الهيبة تقتضي ألا تتلوّن العباءة بكثير من الألوان، "فأنا أميل إلى العباءة الكلاسيكية السوداء، إنها من دون شك أحد أهم العناصر التي تتألف منها هوية المرأة في هذه البلاد". 

تبتسم قليلاً وفي يدها قفطان مغربي. تقول: "صار ارتداء هذا القفطان شائعاً في المملكة، وهذا من دواعي سروري فعلياً؛ إذ هو مثلي، عنصر من عناصر التلاقح الثقافي في مجال الموضة، إضافة إلى أنه ساحرٌ... لكن! أرى أنه لا يغني بأي حال من الأحوال عن ارتداء العباءة، وهو ملائم لارتدائه في مناسبات خاصة، كشهر رمضان المبارك مثلاً".

أدخلت التطريز على أغطية الأسرّة وعلى الستائر، فبه يتأنسَن المكان وتُضاف إليه جماليات خاصة"

كثيرة السفر هي، والسفر هواية تضعه في رأس قائمة هواياتها. تقول موسى: "أرتبطُ وثيقاً بمدينة لندن، فهذه مدينة تشبهني. ولباريس مودة خاصة في قلبي، لكنها تثير فيَّ القلق أحياناً. في كل حال، أوروبا كلها قريتي. أعرفها عن ظهر قلب، أعرف حواري مدنها، وأسواقها الشعبية ومواعيد معارضها ومناسباتها الموسمية، وأعرف كل دهاليز معارض التحف القديمة فيها. إنها قريتي، ولا أبالغ في هذا القول". تضيف مستدركةً: "لكن للهند وقع خاص في نفسي، وهوى ساكن في قلبي. إنها ملاذي حين أكون في بحث عن قماش ما، أو عن تحفةٍ ما، أو حتى عن فكرة ما. ففيها أجد ضالتي دائماً، تحفاً وقماشاً وخامات نسيج وأكسسوارات وخيوطاً". وموسى قصدت الهند حين كانت بلداً لا يتمتع بشعبية كبيرة بين السعوديين، وكانت محظوظة فعلاً لأنها عرفتها معرفة وثيقة. تقول: "إنه بلد ساحر، وشعبه رائع. ولي صديقة هندية هي دليلي الدائم هناك".

تصميم تراثي آخر من ليلى موسى يلائم المرأة العصرية

تتحسر موسى على الحرف اليدوية التي تنقرض شيئاً فشيئاً، بالرغم من أنها العمود الفقري لكل بلد. تقول: "أين نجد اليوم نساجين أو خياطين. الحرف اليدوية كلها مهمة جداً في صوغ الثقافة المحلية لكل بلد، وأدعو الله ألا تندثر. فمن دون هؤلاء الذين يعملون بأيديهم، ويُحسنون استغلال مهاراتهم لإنتاج ما يؤلف هويتهم الوطنية، وهوية بلدهم، كيف يمكن حضارة أو ثقافة محلية أن تستمر؟ لن يكون كل ولد محامياً أو طبيباً، ولن تكون كل فتاة معلمة أو ممرضة، فالحرف تعبر عن جوهر المجتمع. انظروا إلى البلدان التي تزدهر فيها الحرف اليدوية، انظروا كم هي رائعة وكيف تستمر ثقافتها. انظروا إلى مصر وسوريا ولبنان والهند وغيرها". فالمجتمع يحيا بحِرَفييه، وبما تتوارثه الأجيال من صنائع.

موسى حرفية بامتياز، وهي فخورة بذلك. وترى أن ما يميز حرفياً من غيره، في عالم التصميم تحديداً، هو أن يكون لكل مصمم خياطه الخاص، "فوراء كل مصمم مميز فريق من الخياطين والحرفيين. لكل مبدع وفنان مصادر إلهامه التي تبعث فيه رؤيته الخاصة، وأسلوبه في التعبير عن هذه الرؤية، وطريقته في الاستزادة من هذه المصادر ليستمر في تميزه وخروجه عن معتاد التصميم ومألوفه، إن بالقراءة أو بالكتابة أو بالسفر. أنا - على سبيل المثال - يُحفزني المشي. أنا أمشي لأبتكر. وليس سراً أنني قارئة نهمة. أقرأ أدب جبران خليل جبران وروايات أمين معلوف، ولا أتوقف عن قراءة كتب التاريخ والميثولوجيا الإغريقية. فهذا عالم ساحر في كتاب، وبين سطوره آلاف مؤلفة من الأفكار، تطرأ على ذهني بين اللحظة واللحظة، فتكون هي سجلي الذهبي للإبداع".

عباءة بقماش الأغاباني من تصميم ليلى موسى

تعبّر موسى عن عشقها الأبدي الأقمشة وملمسها والغوص في خاماتها، "فأنا أطوف الدنيا بحثاً عنها". تضيف: "يبقى لقماش الأغاباني عشقه الخاص في قلبي. فهذا نسيج سوري، أو لنقل إنه من أساسيات عالم القماش في سوريا. أحب القماش التقليدي الخاص بكل بلد، وأهوى البحث عن أصل هذا القماش. فأنا لا أستعمله في تصاميمي بصفته قماشاً فحسب، بل بصفته عنصراً مكملاً من عناصر القصة التي يقصها كل تصميم". وتمسك موسى قماشاً مطرزاً، فأحدق فيه قليلاً وأنا أسمعها تتابع: "حتى في عملي بوصفي مصممة داخلية، أدخلت التطريز على أغطية الأسرّة وعلى الستائر. إنه لمستي الخاصة على الأثاث المنزلي، فبه يتأنسَن المكان وتُضاف إليه جماليات خاصة... ربما لأن الناس يظنون التطريز مقتصراً على الفساتين والقفطانات والقمصان النسائية. كلا، إنه تمثيل جمالي يترك أثره الخاص أينما استخدمته". 

موسى مولعةٌ فعلاً بالتطريز، حتى أنها تحلم بإنشاء معهد خاص به، "فهذه حرفة عظيمة يستغرق إتقانها وقتاً ويتطلب جهداً، لكنها تستدعي قبل كل شيء أن يكون مُمتَهِنُها فناناً. إنها كالرسم تماماً، والخيط هنا هو الريشة والألوان في آن"، مشيدةً بجهود وزارة الثقافة السعودية التي تقدم بالغ الدعم للمصمّمين والخياطين والمهنيين الذين يعملون في هذا المجال، على اختلاف مهنهم، كي يستمروا وتستمر معهم مهنهم، فلا تضيع في التوجه العصري الجارف. 

"هوايتي مهنتي وهذه أكبر النعم"، كما تقول موسى، "فأن أغوص في أعمق أعماق القماش ليخرج من يدي تصميم مميز هو شغفي الوحيد. أشعر بالامتنان الكبير لأنني أعمل في مهنة أعشقها، ومجرد التفكير في أن يعمل الإنسان في ما لا يهوى، هو أشبه بالانتحار". 

شارك برأيك

0 تعليقات