مجلة الرفاهية العصرية تصدرها إيلاف بالاتفاق مع فايننشال تايمز

صحة

لعبة الرئتين: تنفس مثل محمد صلاح

تُنسَب إلى العلاج بالأوكسجين عالي الضغط فوائد متعددة، ابتداءً بتسريع التئام الجروح وانتهاءً بتحسّن الوظائف الدماغية. ريبيكا نيومان تُطلعنا على التفاصيل

© آنا باريني© آنا باريني

في المتوسط، نتنفس 25 ألف مرة يومياً، لذا نحن محقّون في توجّسنا من نوعية ما نستنشق من هواء. لطالما تملّكنا القلق من التلوث في المدن، ودفعت بنا جائحة كورونا إلى تركيز أكبر على العناصر الموجودة في الهواء. لكن، هل من مكان أو من شيء يتيح لنا أن نتنفس من دون عواقب سلبية؟ تُنسَب إلى العلاج بالأوكسجين عالي الضغط، الذي يستخدمه الرياضيون على نطاق واسع، فوائد متعددة ابتداءً‭ ‬بالتئام الجروح والتعافي من مضاعفات كورونا طويل الأمد، ومروراً بتحسين المناعة والوظيفة الدماغية، وانتهاءً بالحفاظ على صحة الخلايا وإطالة عمرها. يُشار إلى أن لاعبَي كرة القدم محمد صلاح وكريستيانو رونالدو يستخدمان هذه الطريقة العلاجية، وكذلك مايكل فيلبس وليبرون جايمس، وجاستِن بيبر. فهل علينا جميعاً الخضوع لهذا العلاج؟

يقول الدكتور غاري سمردون، الرئيس التنفيذي لجمعية DDRC Healthcare الخيرية الطبية التي تتخذ من المملكة المتحدة مقراً، وتجري بحوثاً في أمراض الغطس وتُقدّم علاجاً بالأوكسجين عالي الضغط: "في العلاج بالأوكسجين عالي الضغط، يتنفس المريض غاز الأوكسجين بنسبة 100 بالمئة في حجرة مضغوطة. يؤدّي هذا الضغط إلى تحلل الأوكسجين في بلازما الدم"، ما يزيد كمية الأوكسجين في الدورة الدموية بنسبة 1,200 بالمئة. حجرة الأوكسجين المنفردة النموذجية هي حجرة أسطوانية الشكل، أكبر قليلاً من حجرة السولاريوم القديمة الطراز؛ إنها تجربة مريحة، ولن تشعروا بأكثر من مجرد فرقعة خفيفة في الأذنَين، علماً أن الحجرة ليست ملائمة لمن يعانون رُهاب الأماكن المغلقة.

تشمل الفوائد التي تُنسَب إلى العلاج خفض الالتهابات، وتعزيز إنتاج الطاقة في الخلايا في مختلف أعضاء الجسم (من خلال جزيء الأدينوزين ثلاثي الفوسفات)، وزيادة دوران الخلايا الجذعية بمعدل ثمانية أضعاف (هذا أمر أساسي للترميم)، وتعزيز المناعة، وتكوُّن أوعية دموية جديدة. لكن، مَن الأشخاص الذين يستمدون الفائدة الأكبر من هذا العلاج؟ تثير هذه المسألة جدلاً واسعاً. وافقت إدارة الأغذية والأدوية الأميركية واللجنة الأوروبية لطب العلاج بالأوكسجين عالي الضغط على الترخيص باستعمال هذا العلاج في 13 حالة، منها اعتلال تخفيف الضغط أو ما يُعرَف بداء الغواص، وحالة الجروح التي لا تلتئم. تهتم جمعية DDRC Healthcare أيضاً بعلاج بعض الحالات غير الواردة ضمن التوصيات، مثل الإصابات التي يتعرض لها محترفو رياضة الركبي. يقول سمردون: "من خلال العلاج بالأوكسجين عالي الضغط، تُشفى الأنسجة العضلية المتضررة بزيادة مرونة الكولاجين". صُمِّم بعض الحجرات الرائدة في المملكة المتحدة خصيصاً لمنافسات سباق الخيل. وبما أن أفضل النتائج تبدأ بالظهور بعد الخضوع للعلاج على مدى 20 إلى 80 ساعة (علماً أن كلفة الساعة هي 250£)، "وإذا كنت ممَن يمارسون الرياضة في أوقات فراغهم فحسب، فالمكاسب التي يمكن أن تحققها من هذا العلاج هامشية ولا تستحق العناء"، بحسب سمردون.

حجرة‭ ‬للعلاج‭ ‬بالأوكسجين عالي‭ ‬الضغط


 حين يتعلق الأمر بعلاج مضاعفات كورونا طويل الأمد، يقول سمردون إن الاستنتاجات الأوّلية واعدة، لكنه يبدي حذراً من استخدام هذه التقنية في حالات الإصابة بالتهاب الدماغ والنخاع المؤلم للعضل أو الإرهاق، أو من استخدامها أداةً لمكافحة الشيخوخة وتنشيط الصحة، منبِّهاً: "يجب توخي الحذر. ربما يكون هذا العلاج مفيداً، إنما لا أدلة واضحة على ذلك". لكنه يردف قائلاً إن الحصول على بيانات جازمة ينطوي على تحديات جمة، "فالتجارب صعبة، وتكلفتها باهظة جداً". وفي حين يتفق الأطباء الذين تحدثتُ معهم على أن العلاج بالأوكسجين عالي الضغط يجب أن يتم تحت إشراف طبي ملائم (تشمل موانع الاستخدام الأشخاص الذين يعانون بعض الأمراض الرئوية)، وليس تحت إشراف "أي اختصاصي تجميل"، كما يقول سمردون، يفتح عدد متزايد من الحجرات غير المنظّمة للعلاج بالأوكسجين عالي الضغط أبوابه في المملكة المتحدة.

الدكتورة نور أوزيلماز مستشارة في طب الأطفال، عملت في مستشفيي King’s College Hospital وGreat Ormond Street للأطفال. دفعها إيمانها بالطب التكاملي (يجمع بين العلاجات التقليدية والمكمِّلة) إلى تأسيس مركز Numa للعلاج بالأوكسجين عالي الضغط في مبنى أبيض لامع قبالة شارع بوند ستريت في لندن. يخضع كل مريض هناك للتقييم من أجل تحديد ما إذا كان سيستفيد من العلاج؛ ويستقبل المركز مرضى يعانون حالات مختلفة، ابتداءً‭ ‬بالإصابة في الدماغ وانتهاءً بمرض التهاب الأمعاء. عاينت أوزيلماز أيضاً ما يُسمّى بالقراصنة البيولوجيين الذين يسعون إلى الحصول على صحة مثالية وإلى تعزيز أدائهم: "تقصد أعداد إضافية من الموظفين الشباب في مجالس المدن وإداراتها
المركز طلباً لتحسين أدائهم في العمل، وغالباً ما يسعون أيضاً إلى تحقيق أداء أفضل في الرياضة". يخضع الشخص في العادة لعشرين جلسة علاجية متقاربة في المركز (تكلفة جلسة علاج تستغرق 90 دقيقة 240£)، ثم لجلستَين في الأسبوع. تقول أوزيلماز: "أحاول أن أثنيَهم عن عزمهم، وأقول لهم إن لا أدلة تثبت فاعلية العلاج على هذا الصعيد، فربما يكون وهماً لا أكثر. لكنهم يقسمون بأنه يساهم في تحسين مستويات الطاقة لديهم، وجودة نومهم، وقدرتهم على ممارسة الرياضة".

"قُم ببحوثك الخاصة وادخل حجرة العلاج بعينَين مفتوحتين"
الدكتور غاري سمردون 

تتابع أوزيلماز: "تأتي أعداد إضافية من المصابين بارتجاجٍ في الدماغ يسبّب لهم مشكلات عدة، مثل الخلل في الهرمونات أو الإرهاق. أتحمس لعلاجهم، ففي هذه الحالات نلمس نتائج جيدة جداً. ونعاين أيضاً مرضى يعانون ضعفاً في الإدراك، أو ما يُعرَف بضباب الدماغ، نتيجة مضاعفات الإصابة بوباء كورونا طويل الأمد، ومعظمهم يشعرون بتحسّن منذ الجلسات الأولى".

سيقدّم مركز Numa أيضاً علاجاً بالأوكسجين عالي الضغط للمديرين التنفيذيين المتقدمين في السن، الذين يسعون إلى شحذ قدراتهم الفكرية. وشهد خريف هذا العام فورةً كبيرة في اهتمام المصابين بالخرف بالعلاج بالأوكسجين عالي الضغط، وخلصت بحوثٌ جديدة إلى أنه يتّصف بـ "تأثيرات متعددة الأوجه تُساهم في حماية الأعصاب"، وبالتالي تحسين الذاكرة والوظائف الدماغية، من طريق تعزيز تدفق الدم وإبطاء نمو صفائح الأميلويد في الدماغ، والتي يُعتقَد أن لها صلة بمرض ألزهايمر. يستند ذلك إلى دراسات أخرى، منها الدراسة التي خلصت إلى أن العلاج بالأوكسجين عالي الضغط "ساهم في تعزيز القدرات الإدراكية... بما في ذلك سرعة معالجة المعلومات والوظائف التنفيذية".

لكن الدكتور غاري توبس، رئيس قسم العلاج بالأوكسجين عالي الضغط في Mayo Clinic في روتشستر في مينسوتا، يقول: "لم ألمس تأثيراً مهماً في الإدراك لدى المرضى الذين يتلقون العلاج بالأوكسجين عالي الضغط". ويشير، شأنه في ذلك شأن سمردون، إلى الحاجة إلى مزيد من البحوث لتقصّي ما إذا كان هذا العلاج يؤدي إلى إبطاء عملية شيخوخة الخلايا. ولفتت دراسة إسرائيلية حظيت بدعاية واسعة إلى أنه ربما يُساهم في ذلك، إذ خلصت إلى أن طول التيلوميرات (الطبقات الحمائية في طرف الكروموسومات التي تتقلص مع التقدم في العمر) ازداد بنسبة تفوق 20 بالمئة بعد علاج استمر 60 يوماً، وإلى أن الخلايا "الزومبي" المتلفة والهرِمة تراجعت بنسبة تصل إلى 37 بالمئة. يعلّق توبس أنها "دراسة واحدة لا أكثر، ولم تُحدَّد أهميتها بعد".

يقول سمردون لمريضه: "قُم ببحوثك الخاصة، وادخل حجرة العلاج بعينَين مفتوحتين"، مضيفاً: "في أي علاج غير موصى به، يحصل بعضهم على نتائج ممتازة، فيما لا يحصل آخرون على أي نتيجة". تبدو أوزيلماز أشد تفاؤلاً: "ما يثير حماستي في مسألة العلاج بالأوكسجين عالي الضغط هو الإمكانات الكبيرة التي يتيحها من دون اللجوء إلى الأدوية أو حصول مضاعفات جانبية. إنه يؤذن بمستقبلٍ زاهر في الطب، حيث يمكننا أن نصقل قدرة جسدنا على ترميم نفسه وعلى التجدد، من أجل التمتع بصحة مثالية".

شارك برأيك

0 تعليقات