مجلة الرفاهية العصرية تصدرها إيلاف بالاتفاق مع فايننشال تايمز
الإثنين 23 مايو 2022

أناقة

دليلك إلى الجينز الملائم

هل يمكن أن يكون قماش الدنيم مستداماً ويراعي المعايير البيئية في إنتاجه؟ غرايس كوك تتحرى إجابة عن هذا سؤال بات من علامات عصرنا الراهن

© آنيا هولدستوك © آنيا هولدستوك

هل قصدتم السوق لشراء سروال جينز في الآونة الأخيرة؟ ربما لاحظتم أن متاجر الجينز باتت على نحو خاص تبرع في الترويج لمواصفاتٍ تُراعي المعايير البيئية، إذ يمكنكم أن تقرأوا على بطاقات تتدلى من حلقات الأحزمة مصطلحات طنانة، من قبيل: "قماش عضوي" و"مستدام" و"منخفض الأثر البيئي". وكأن سروال الجينز يعلن على الملأ: "أنا جيدٌ على الورق".

تحتدم المنافسة سريعاً بين العلامات التجارية في هذا المجال. في شهر تشرين الأول (أكتوبر)، أطلقت علامة Pangaia التجارية المتخصصة في الملابس اليومية مجموعتها الأولى المصنوعة من قماش الدنيم باللون الأزرق، وهي مؤلّفة من سروالَي جينز وسترة للنساء والرجال. تتكوّن الألياف المستخدَمة في هذه الملابس من نبات القراص البري المتحدر من جبال الهملايا، ومن قطن عضوي يُنبَت من دون مبيدات من شأنها تلويث النظم البيئية المجاورة، وتُعالَج أيضاً بزيت النعناع كي يحافظ قماش الجينز على نضارته فترةً أطول، ما يتيح التوفير في استخدام المياه عند غسله. الملابس موضَّبة في علبة مصنوعة من مواد قابلة للتحول إلى سماد، تتحلل في غضون 24 أسبوعاً، بحسب الرسالة المدوّنة عليها: "أي خطوة، ولو صغيرة، تساهم في تحقيق تغيير إيجابي".

جينز‭ ‬FRAME‭ ‬LE‭ ‬SLOUCH‭ ‬القابل‭ ‬للتحلل‭ ‬بيولوجياً، 
بسعر ‭ ‬£295

منذ فترة وجيزة، أطلقت علامة Bite Studios التجارية السويدية، التي تستخدم أليافاً مثل جلد الذُّرة والحرير المصنوع من بتلات الورد، ثلاثة أنماط من الجينز مصنوعة من القطن العضوي. وتستخدم علامة I and Me التجارية في ملابس الجينز المخصصة للجنسين معاً، صباغاً طبيعياً، وأشعة اللايزر بدلاً من المياه للحصول على اللون الباهت، في حين تحرص علامة Mother of Pearl التجارية على تتبُّع مسيرة الألياف من الحقل وصولاً إلى اللباس. كما‭ ‬أطلقت  Levi’s "النسخة الأكثر استدامة على الإطلاق من الجينز 501" في كانون الثاني (يناير) الفائت، باستخدام ألياف دنيم مُعاد تدويرها، واستبدال خيوط البوليستر بخيوط قطنية تساعد، بحسب ما تعلنه العلامة التجارية، على تحلل القماش حين لا يعود سروال الجينز صالحاً للاستعمال. وأطلقت Frame، التي تعاونت للتو مع Ritz Paris، مجموعة استُخدِمت فيها ثلاثة ألياف جديدة يقول القيّمون على العلامة التجارية إنها "مستدامة بنسبة 63 بالمئة في النسيج والغسيل، وقابلة للتحلل بنسبة 17 بالمئة على مستوى الأسلوب"، أياً يكن المعنى المقصود بهذه الجملة.

جينز
I‭ ‬AND‭ ‬ME‭ ‬ من‭ ‬قماش‭ ‬الدنيم‭ ‬العضوي‭ ‬المثني‭ ‬والمحبوك‭ ‬عند‭ ‬القدمين،‭ ‬بسعر ‭ £‬240

‮بذريعة الانكباب على بحوثي،‮ ‬قطعتُ 30,000 خطوة سيراً في وسط لندن لتجربة هذه الأنواع الجديدة من ملابس الجينز. وبعد قياسها وتبديلها طوال ست ساعات – جرّبت 300 سروال جينز في متجر Selfridges – وجدت سروالاً في متجر Cos. (ملاحظة على الهامش: الاستدامة المفترضة لا تجعل الدنيم أفضل تناسقاً مع الجسم). السروال مصمَّم لتبدو الساقان أطول بفضل قَصّة تضيق تدريجاً، وهو مرفَق ببطاقة تعريف مليئة بالوعود الخضراء، فالقماش مصنوع من قطن عضوي، ويخلو السروال من الأزرار الفضية التي لم يعد لها أيّ نفع، ويتيح إلغاؤها "إعادة تدوير الدنيم"، وفقاً لكارين غوستافسون، مديرة التصميم لدى Cos.

 

أطلقت‭ ‬Levi’s‭ ‬النسخة‭ ‬الأكثر‭ ‬استدامة‭ ‬من‭ ‬‬501‭‬في‭ ‬كانون
 الثاني (‬يناير)

 

جينز‭ ‬،‭PANGAIA‭ ‬
Panette ‬بسعر‭ ‬$225‭ ‬

لكن هل يكفي أن نقرأ كلاماً معسولاً على الورق ليكون المنتج متطابقاً بالفعل مع المعايير البيئية؟ تقول ماكسين بيدا، مؤسسة معهد New Standard Institute غير الربحي ومديرته، وهو معهد يعمل لتعزيز الاستدامة في قطاع الموضة: "أتردد في الجزم بوجود شركات في قطاع الملابس تراعي فعلاً المعايير البيئية". يطرح قماش الدنيم، كما هو معلوم، إشكالية خاصة بسبب اعتماده على القطن والأصباغ الكيميائية، وعلى كميات كبيرة من المياه؛ في هذا الإطار، تقول بيدا إن 1.25 مليار سروال جينز تُباع سنوياً، وإن إنتاج سروال عادي يتطلب 1,500 غالون من المياه. تضيف: 
"ربما تقول العلامات التجارية: ‘نخفّض استهلاكنا المياه’، 
أو ‘نعمل على تحسين الإدارة الكيميائية’. لكن يصعب إيجاد شركة لتصنيع الدنيم تعمل على خفض انبعاثاتها من غازات الدفيئة".

جينز‭ ‬MOTHER‭ ‬OF‭ ‬PEARL‭ ‬بقدمين‭ ‬عريضين،‭ ‬بسعر ‭ ‬£250

ربما أصبح الدنيم أفضل اليوم وفقاً للمعايير البيئية، لكنه لم يصل بعد إلى المستوى الأفضل على الإطلاق. فهذا القطاع يحتاج إلى إصلاح شامل؛ وقليلة جداً هي العلامات التجارية والمصانع الجاهزة لتحمّل المسؤولية في العملية الإنتاجية بمختلف أقسامها، والاستثمار في التقنيات الجديدة. تقوم سارة أحمد، المديرة الإبداعية لدى علامة DL1961 التجارية التي تتخذ من نيويورك مقراً لها، بإنتاج جميع سراويل الجينز في المصنع العائلي الذي يعمل بالطاقة الشمسية في باكستان. وفي الموقع الذي افتتحه والدها قبل 30 عاماً، وكان "مهووساً" بالمجال التقني الذي عمل فيه سابقاً، تُدار عملية التصنيع بأكملها، ابتداءً بالألياف وانتهاءً باللباس المنجز. تقول أحمد: "نسيطر بصورة كاملة على الجوانب كلها، وهذا يساعدنا على التحسين والابتكار".

كاب‭ ‬مثني‭ ‬من‭ ،‭‬ELV‭ ‬DENIM ‬بسعر ‭ ‬£1,350
سترة‭ ‬،MOTHER‭ ‬OF‭ ‬PEARL‭ ‬BRENNON‭ ‬بسعر ‭ ‬£295

في ما يتعلق بملابس الجينز التي تصنّعها علامة DL1961 التجارية، يُعيد المصنع تدوير الدنيم القديم ويحوّله إلى قماش جديد؛ ويصبغه بصباغ Dystar الأزرق الذي يُزيل مادّة هيدروسلفيت الصوديوم السامّة من عملية التصنيع؛ ويضفي عليه لمسات نهائية بتقنية الأوزون واللايزر الخالية من المياه؛ ويحتاج كل سروال جينز إلى أقل من 10 غالونات من المياه لإنتاجه. يقوم المصنع بتصنيع سراويل الجينز لعلامات تجارية أخرى كثيرة، وينتج 36 مليون ياردة من الدنيم في السنة، لكن هذه العلامات التجارية لا تسدد جميعها التكاليف المطلوبة للحصول على منتج يلتزم المعايير البيئية العالية نفسها. وليست التقنيات مثالية: فنظراً إلى إضافة السمة المطاطية المستندة إلى قماش الليكرا الذي تدمجه DL1961 وغيرها الكثير من العلامات التجارية الأخرى ضمن القماش لإظهار مفاتن الجسم، لا يمكن إعادة تدوير هذا القماش بحسب الإجراءات العادية، ولن يتحلل الجينز بيولوجياً.

يتطلب إنتاج سروال جينز عادي حوالى1,500 غالون من المياه

يتركّز الأثر البيئي الأكبر لصناعة المنسوجات في المصنع. تتعامل علامات تجارية على غرار Bite Studios وFrame مع مصنع Candiani الإيطالي للدنيم الفاخر الواقع في محمية طبيعية شمال إيطاليا، والذي يفحص مياه الصرف الصحي التي ينتجها ليعرف إذا كانت تحتوي على مواد سامة، ويعيد تدوير مياه الأصباغ بدلاً من التخلص منها، وهو مستمر في اعتماد هذه التقنية منذ عام 1978.

يعمل مصنع Candiani أيضاً في مجال ابتكار الألياف، فقد أطلق في عام 2019 نسيج Coreva الحائز على براءة اختراع باعتباره أول دنيم مطاط طبيعي، إذ استخرَجه من المطاط بدلاً من الوقود الأحفوري. وتعاونت علامة Pangaia التجارية مع هذا المصنع لإنتاج مجموعتها الجديدة من الملابس المصنوعة من نسيج استغرق تصنيعه أكثر من عام، وهو مستخرج من نبات القراص البرّي الذي ينمو في غابات الهملايا ويقطفه المزارعون هناك ليكسبوا دخلاً إضافياً إلى جانب المواسم المعتادة. وخلافاً للقطن الذي يستهلك كميات كبيرة من المياه إلى درجة أنه تسبب بجفاف أنهار بأكملها، "ينمو نبات القرّاص من جديد سنوياً من دون الحاجة إلى ريّه"، كما تقول الدكتورة أماندا باركس، مسؤولة الابتكار في Pangaia. ويلفت جوناثان شونغ، مصمم ملابس الدنيم في Pangaia والذي عمل سابقاً في Levi’s، إلى أن القماش "جميل... إنه أشبه بالتويد". وفي صناعة الجينز الضيّق والسترات المربّعة المستوحاة من أسلوب التسعينيات، تُستخدَم خيوط اللايوسل المصنوعة من السليلوز بدلاً من القطن والبوليستر.

تعاون‭ ‬بين‭ ‬Bite‭ ‬Studios‭ ‬وCandiani

لكن‭ ‬قبل‭ ‬صناعة‭ ‬الملابس من الصفر، أو إعادة تدوير ألياف قديمة لتحويلها إلى مواد جديدة (ما يخفّض الانبعاثات بدرجة ضئيلة)، يُمكن العلامات التجارية أن تُعيد استخدام ما هو موجود. وفي هذا الصدد، تقول بيدا إن الجينز المصنوع من مواد أعيد استخدامها "أفضل"، لناحية الأثر البيئي، من الجينز المصنوع من ألياف جديدة أو أعيد تدويرها. أسست آنا فوستر علامة ELV Denim التجارية وهدفها تصنيع سراويل جينز وسترات وأثواب وأكسسوارات من ملابس جينز قديمة تبتاعها من تجار منتجات عتيقة الطراز في المملكة المتحدة. لكن لهذه الطريقة محاذيرها أيضاً. تقول فوستر التي تبتاع سنوياً نحو 10,000 سروال جينز بمقاسات كبيرة جداً وتختارها فقط من الدنيم المتضرر بعد استهلاكه لإعادة استخدامها في تصاميمها: "مهمٌ أن ننتقي بضاعةً لا تصلح ليبتاعها الزبائن في متاجر الملابس العتيقة الطراز".

"عملياتنا طبيعية ولا نستخدم ماء لا يصلح للشرب"
 

ابتدعت فوستر طريقة مبتكرةً للتقطيع والخياطة تتيح تحويل سروالَي جينز قديمين إلى سروالين جديدين مع اقتصار الهدر في القماش على حده الأدنى. وتتعاون في هذا المجال مع مصانع Blackhorse Lane Ateliers في وولثامستو. تقوم هذه الطريقة على قصّ الأجزاء التالفة من القماش، فيما تُغسَل البقع أو يُقلَب القماش من الخارج نحو الداخل. (تقول أيضاً إن هناك قماشاً إضافياً عند الدرزة بمقدار 1.5 سم بحيث يستطيع الشخص تضييق السروال أو توسيعه). تعلّق: "أُعطيَتْ هذه السراويل قبلة الموت لكننا أعطيناها قبلة الحياة. هناك ملايين السراويل القديمة، وإذا لم نفعل شيئاً، ستصبح في مكبّ النفايات".

العامل الأهم في تحقيق الاستدامة هو أن يكون سروال الجينز متناسقاً مع الجسم. "إذا اشتريت سروال جينز يراعي المعايير البيئية لكنك لم ترتده، فالأثر موازٍ لأثر سروال جينز لا يُراعي البيئة"، كما تقول بيدا. وربما تجد النساء، على وجه الخصوص، صعوبةً في العثور على المقاس المناسب والمتناسق. ولذلك تحمستُ حين اكتشفت خدمات تعديل الخصر لدى مصانع خياطة متخصصة بقماش الدنيم مثل Blackhorse Lane، حيث يتخلصون، مقابل £40 تقريباً، من المساحة الفارغة التي تتكوّن دائماً عند أسفل الظهر من خلال تضييق الدرزات في الخلف.

ليست الأخبار سيئة كلّها. فقماش الدنيم هو العمود الفقري لخزانة الملابس العصرية، وهذا يؤدّي تلقائياً إلى تصنيف الجينز في خانة الأقمشة الملائمة بيئياً، وفقاً لبيدا التي تقول: "إذا أخذنا في الحسبان التكلفة بحسب فترة الاستهلاك، يتبين أن أثر الجينز على البيئة أقل". يوافقها شونغ من Pangaia الرأي: "يمكن ارتداء ملابس الجينز سنوات، وفي معظم الأحيان طوال عقود... فهل من قطعة ملابس أخرى يتلاشى لونها مع مرور الوقت، وتتمزق وتُرمَّم، ومع ذلك تبدو أفضل من ذي قبل؟" 

الصور: ‬روبرت‭ ‬كوك. ‬توبي‭ ‬كولسون. ‬إريك‭ ‬تورستِنسون

شارك برأيك

0 تعليقات