مجلة الرفاهية العصرية تصدرها إيلاف بالاتفاق مع فايننشال تايمز

سفر

الأزرق الجديد: هل يعيد Borgo Santandrea أمجاد أمالفي؟

فندق جديد يشكل محاولة طموحة لإدخال أسلوب جريء من منتصف القرن العشرين إلى ساحل أمالفي الرائع. فهل يمكنه التنافس مع معالم المكان؟

مسبح فندق ‭ ‬Borgo‭ ‬Santandrea‬© أدريان غوتمسبح فندق ‭ ‬Borgo‭ ‬Santandrea‬© أدريان غوت

ما المطلوب لافتتاح فندق متفوّق في مجاله عالمياً، يخطف الأنفاس بكل ما لهذه الكلمة من معنى، ويتمتع بكل ما يلزم من مواصفات مطلوبة في ساحل أمالفي؟

نطرح هذا السؤال لا سيما أن الفنادق كثيرة في مكان هو، برأي الكثيرين، فكرةٌ وشعورٌ، لا بل شعور جميل جداً، بقدر جمال موقعه على الخريطة. تضمّ منحدراته وخلجانه الصغيرة وقراه الملوّنة، الممتدة نحو 30 ميلاً، ما لا يقل عن ستة فنادق ترد بانتظام في صدارة القوائم "الذهبية" ولوائح "أفضل الفنادق" التي تصدر سنوياً. ما زال عدد كبير منها مملوكاً من العائلات نفسها منذ استقبال أوائل الضيوف في سبعينيات القرن الماضي أو في خمسينياته، أو حتى في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. صار لهذه الوجهات قاعدة من العملاء الشديدي الولاء الذين ترسّخت العلاقة معهم على مرّ الأعوام، بفضل العمل الدؤوب على إرضاء المسافرين الأشد تطلباً. وتعكس الفنادق الأرقى بينها أجواء المكان، وتشكّل في الوقت نفسه عوالم صغيرة قائمة بحدّ ذاتها.

 

مدخل‭ ‬الفندق‭ ‬قُبالة‭ ‬البحر © أدريان غوت
مدخل‭ ‬الفندق‭ ‬قُبالة‭ ‬البحر © أدريان غوت

لذلك، فإنَّ‭ ‬إنشاءُ‭ ‬فندق‭ ‬إضافي‭ ‬من‭ ‬الصفر‭ ‬مهمةٌ‭ ‬صعبة. ‬الطموح شرطٌ‭ ‬أساسي.‭ ‬وإن‭ ‬تحلّيت‭ ‬بالذكاء،‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تتحلّى‭ ‬أيضاً‭ ‬بخبرة
واسعة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الضيافة،‭ ‬وبدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬المهارة‭ ‬في‭ ‬التصميم،‭ ‬وبإلمامٍ‭ ‬بالمنطقة،‭ ‬وبقدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الصبر،‭ ‬وباستعدادٍ‭ ‬دائم‭ ‬لإنفاق‭ ‬أموال‭ ‬طائلة‭.‬

هذه الخصائص كلها متوافرةٌ في فندق Borgo Santandrea الذي فتح أبوابه في تموز (يوليو) الماضي في بلدة كونكا دي ماريني الصغيرة، على بعد أميال قليلة غرب أمالفي. وهو ثمرة تعاون استمر أربعة أعوام بين عائلتَين من جزيرة إيشيا، كلتيهما من مالكي الفنادق المخضرمين، وبين حرَفيين محليين بدءاً من صانعي الخزف مروراً بمنسقي المناظر الطبيعية ووصولاً إلى الحدّادين.

 
أثاث‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬عتيق‭ ‬جُدِّدَ‭ ‬بمنسوجات‭ ‬إيطالية © أدريان غوت
أثاث‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬عتيق‭ ‬جُدِّدَ‭ ‬بمنسوجات‭ ‬إيطالية © أدريان غوت
 
مكتب‭ ‬الكونسييرج © أدريان غوت
مكتب‭ ‬الكونسييرج © أدريان غوت

يقع مدخل الفندق على علو نحو مئة متر فوق سطح البحر، وتربض طوابقه السبعة بروعةٍ فوق منحدر شديد ومتدرّج. الحدائق خصبةٌ ومورِقةٌ: أشجار زيتونٍ وليمونٍ ورمانٍ أينعت ثمارها، وتحيط بها باقات متناثرة من الأزهار البرية ونبات الآس الأزرق؛ ويلتف الياسمين الشتوي حول الأعمدة البيضاء المحيطة بالتراس الفسيح لمطعم Alici، أحد ثلاثة مطاعم يضمها الفندق.

في جنبات الفندق المختلفة نوافذ طويلة مقوّسة أو أبواب زجاجية تمتد من الأرض إلى السقف وتشكّل إطاراً لأفقٍ روعته لا تُضاهى، حيث تعلو سماءٌ يمتزج فيها الأزرق بالأبيض فوق البحر الأزرق الأشد عمقاً وحقيقة. إنها الألوان الطبيعية الأساسية المستوحاة في تصميم خلفية الديكور في مختلف أرجاء الفندق، من خلال الجدران المطليّة بالكلس الأبيض، والبلاط الرخامي الأبيض، والمجموعة الكاملة لـ 31 تصميماً فريداً للبلاط المصنوع من الخزف الإيطالي، وجميعها تقريباً بألوان الطيف الكامل من الأزرق إلى الأبيض، اجتهد حِرَفيو مدينة ساليرنو المجاورة عامين لتصنيعها. في الفندق شاراتٌ وأنماط متعرّجة، وتصاميم على شكل مُعينٍ هندسي وسِلال محبوكة، وأشرطة متموّجة ومتاهات هندسية، إنما لا تقع العين على تصاميم بأشكال الزهور أو زخرفة باروكية.

منظر‭ ‬المسبح‭ ‬من‭ ‬الأعلى © أدريان غوت
منظر‭ ‬المسبح‭ ‬من‭ ‬الأعلى © أدريان غوت

يعود الفضل في التزام رؤيةٍ منسجمةٍ مع روح القرن العشرين إلى أحد مالكي فندق Borgo Santandrea من جزيرة إيشيا (يفضّل عدم ذكر اسمه)، والذي كان يفكّر على الدوام، خلال دراسته الجامعية، بالعمل في مجال الهندسة المعمارية قبل أن يرتقي سلّم المراتب ويتسلّم منصباً رفيعاً في أحد المصارف العالمية في لندن. وهو بدأ، في عشرينياته، بجمع قطع أثاث تعود إلى منتصف القرن العشرين، مركزاً على الأثاث المصنوع في إيطاليا وبلدان الشمال.

من العوامل التي جذبته في فندق Grand Hotel Saraceno القديم في كونكا دي ماريني، حين عُرِض للبيع قبل أعوام، هيكلُهُ الجميل جداً الذي يعود إلى الستينيات بخطوطه الواضحة التي تختبئ بين ثنايا تصميمه الداخلي المزخرف والغني (أثاث من الخشب الأسود، ورخام أسود وأعمدة كورنثية في مختلف أنحاء المكان). يقول: "حين ابتعنا [Saraceno] في عام 2017، أدركنا أن علينا العمل لإعادته إلى جذوره التي ترجع إلى حقبة ستينيات القرن الماضي، حين شُيِّد الجزء الأكبر من الفندق، مع سماته الحداثية المتمايزة".

"‬المشروع الشغف"، لعل هذا التوصيف لم يعد رائجاً، لا سيما حين نتحدث عن فنادق صغيرة كهذا الفندق. لكنّ الشغف يتجلّى هنا بطرق ملموسة جداً؛ إذ أخبرنا مالك الفندق أن مجموعته الشخصية الواسعة من الأثاث شُحِنت كلها تقريباً من منزله جنوباً وأُدمِجت في تصميم الفندق. يقول: "أردنا أن نُعيد ابتكار أجواء مستلهمة من الفيلات الساحلية الإيطالية المتطورة"، مضيفاً: "في هذا السياق، كان من الطبيعي أن [أرسل] أثاث منزلي الذي يعود إلى منتصف القرن العشرين لعرضه في فندق Borgo Santandrea". وكانت الفكرة تجريد المبنى من الإضافات المختلفة والإبقاء على أساساته وهيكله المتين، ثم العمل على تصميمه بأسلوب يُضفي عليه أجواء أصيلة من العيش الهانئ، وهكذا حين يعاين الضيوف التصميم الداخلي الجدير في صالات العرض، والذي ابتيعت مواده في ميلانو ولندن وكوبنهاغن وأماكن أخرى، "يشعرون كأنهم يُقيمون في أمالفي منذ عقود".

 
مطعم‭ ‬La‭ ‬Libreria‭ ‬في‭ ‬فندق ‭ ‬Borgo‭ ‬Santandrea ‬©أدريان غوت
مطعم‭ ‬La‭ ‬Libreria‭ ‬في‭ ‬فندق ‭ ‬Borgo‭ ‬Santandrea ‬©أدريان غوت
 
واحد‭ ‬من‭ ‬المسارات‭ ‬المتعددة‭ ‬المؤدّية‭ ‬إلى‭ ‬الشاطئ‭ ‬الخاص © أدريان غوت
واحد‭ ‬من‭ ‬المسارات‭ ‬المتعددة‭ ‬المؤدّية‭ ‬إلى‭ ‬الشاطئ‭ ‬الخاص © أدريان غوت

تتنافس روعة الديكور مع تصاميم البلاط والمناظر الخلابة لاستقطاب الانتباه. مكتب الكونسييرج الذي تعلوه طبقة من الزجاج هو في الواقع نسخةٌ نادرة من أواخر حقبة الأربعينيات عن طاولة الطعام Reale من تصميم المهندس المعماري الإيطالي كارلو مولينو. الكراسي بذراعَين التي وُضِعت في مجموعات قرب النوافذ الطويلة وحول الموقد الرخامي هي من تصميم العلامة التجارية Englander & Bonta (الأرجنتين، خمسينيات القرن العشرين)، وهانس وِغنِر (الدانمارك، طراز عتيق من منتصف ستينيات القرن العشرين)، وفرِدريك أيه كايسر (Model 711، من منتصف الستينيات أيضاً)، وإريك وورست (الدانمارك، من السبعينيات – هناك نحو دزينة كراس من تصميمه موزّعة في مختلف أرجاء الفندق). في قبو النبيذ طاولة تذوّق جذابة قوائمها طويلة، مصنوعة من الزجاج وخشب الساج، وهي نسخةٌ أخرى نادرةٌ من تصميم Englander & Bonta، وقد ابتيعَت في مزاد علني في بوينوس أيرس.

أعيد تجديد الأثاث بمنسوجات إيطالية خالصة، باللونَين الأبيض والأزرق بأسلوب متلائم مع عناصر الديكور، بما في ذلك تصاميم أصلية من توقيع جيو بونتي لصالح علامة Rubelli التجارية. تتوزع عشرات الكراسي التي صممها بونتي ضمن سلسلة 811، والتي أعادت علامة Molteni التجارية تصنيعها بأمانة ودقّة، في 45 غرفةً وجناحاً يتألف منها الفندق، يضمّ بعضها شرفات كبيرة مكسوّة بالعشب ومسابح، أو مكتبات، أو أحواض استحمام وضعت قرب النوافذ الزجاجية الكبيرة (لجميع الغرف والأجنحة شرفات وإطلالات على البحر، وفيها أسرّة كبيرة مزدوجة، وملحقة بها حمامات أنيقة من الرخام والخزف الإيطالي). يقول المالك: "أدّى بونتي بوجهٍ خاص دوراً محورياً. لا يعود ذلك إلى روعة الأشياء التي صممها وتعدُّد استعمالاتها فحسب، إنما أيضاً إلى ارتباطه بالمنطقة، حيث تولّى تصميم واحد من مشاريعنا المفضّلة [فندق Parco dei Principi في سورنتو المجاورة]".

أروع ما في فندق Borgo Santandrea شاطئه"

لكن بالنسبة إلى كثيرين، أروع ما في فندق Borgo Santandrea هو شاطئه الذي يُعَدّ من الشواطئ الخاصة الطبيعية القليلة جداً على هذا الساحل. يهبط المصعد عبر الصخر الصلب وصولاً إلى ممرّ حجري يؤدّي إلى نادي الشاطئ، وهو مرسى سابقٌ لقوارب الصيادين، أُحسن تجهيزُهُ بكنباتٍ بيضاء منخفضة وأرائك من الخيزران الهندي تعود إلى السبعينيات (من القطع القليلة التي احتُفِظ بها من فندق Saraceno، وجُدِّدت بقماشٍ قطني نابض بالحياة ومخططٍ بالأبيض والأزرق البحري). وهناك حانة طويلة تتوزّع مقاعدها في الداخل والخارج؛ وفي فناء فوق الحانة مطعم Al Borgo الشاطئي في الهواء الطلق يقدّم أطباقاً كلاسيكية بسيطة. ونظراً إلى إمكاناتي المادية، هذا الطعام هو الأمتع بين الخيارات المتاحة في المكان. (يحضّر الطباخ التنفيذي كريسينزو سكوتي أطباقاً رائعة لدى Alici وفي مطعم La Libreria للمأكولات الفاخرة؛ لكن في استطلاع غير رسمي للآراء، يتبين أنَّ معظم مرتادي المطعم يرغبون فقط في تناول طبق المعكرونة بالأصداف البحرية المحضّر بإتقان، أو طبق سمكة بزونيا المشويّة حين يزورون هذه المنطقة).

ثم هناك الشاطئ بذاته: إنه مزيجٌ طويل من الحصى البيضاء والرمادية التي تمتد وصولاً إلى مياه زبرجدية صافية تحلو فيها السباحة، وحيث يهتم سكان محليون يرتدون سراويل قصيرة باللون الأزرق البحري وقمصان بولو بتأمين الخدمات اللازمة. يُلائم ذلك كله تماماً الأجواء في كونكا دي ماريني، هذه القرية الصغيرة الجميلة التي تُشبه محطةً متطورةً على الطريق السريعة أكثر ممّا تشبه بلدة فعلية على طريقة برايانو أو بوسيتانو، وهي أشد هدوءاً من الاثنتَين. تتحرك القوارب الصغيرة في المياه جيئةً وذهاباً لنقل الضيوف إلى مطعم La Tonnarella، إلى يمين الفندق (ننصحك بالذهاب مرة واحدة على الأقل، ودسّ قدمَيك في الرمال بالمعنى الحرفي للعبارة والاستمتاع بتناول طبق السباغيتي الشهي على طريقة جاكلين، وسُمّي تيمّناً بجاكلين أوناسيس التي كانت تحب كونكا)، أو إلى مطعم Zeffiro Sereno الممتاز في الطرف الآخر من الشاطئ.

سارع مدير عام الفندق ماوريسيو أورلاتشيو إلى الإشارة (بتواضع يستحق الثناء) إلى أن فندق Borgo Santandrea قد يستغرق أعواماً ليُصبح فعلياً كما يتطلع إليه مع زملائه الآخرين القيّمين على المكان، أي‭ ‬ليُصبح جزءاً لا يتجزأ من الحلم الذي يجسّده هذا الساحل. ما زال سابقاً لأوانه الحكم على الخدمة في الفندق، لا سيما أنه فتح أبوابه في صيف 2021، في عزّ موسم الالتباس والحيرة بشأن القدرة على السفر، أو الحكم على الأجواء، ذلك الأمر الفطري الذي يتعذّر وصفه والذي يستغرق أعواماً كي يتبلور فعلياً، وهو بعدُ في مراحله الأولى هنا. لكن البداية واعدة جداً في الفندق. ومن الشاطئ في الأسفل، المنظر أكثر روعة بعدُ. ‭ ‬

حلّت ماريا شولنبارغر ضيفة على فندق borgosantandrea.it؛ الغرفة المزدوجة ابتداءً من 770€

شارك برأيك

0 تعليقات