مجلة الرفاهية العصرية تصدرها إيلاف بالاتفاق مع فايننشال تايمز
الإثنين 23 مايو 2022

سفر

سحر وإبهار على متن قطار الشرق السريع

في مئويته الأولى، يخضع القطار الأشهر في العالم لعملية تجديد رائعة. تنقل لنا ماريا شولنبارغر الأجواء من قلب القطار، وتدخل من جديد مرحلة "العشرينيات الهادرة"

© بيلموند / ماتيا أكيلا © بيلموند / ماتيا أكيلا

إنها الساعة الثانية وثلاثون دقيقة من بعد منتصف الليل، والمكان هو جبال الألب السويسرية. يلعب هلال قمر نحيل لعبة التخفّي خلف كتل صخرية سوداء شاهقة، فينكسر نوره وينزلق على سطح بحيرة كما مكعّبات الثلج في كأس شراب طويلة. يُصدر الخشب صريراً، ويتصاعد من البلّور على رف البار رنينٌ خفيف، وتتناغم قرقعة العجلات على سكك الحديد مع صوت اهتزاز سريري. القارة نائمة، لكنني مستيقظة فيما نتقدّم ببطء شرقاً نحو النمسا، بوتيرة لم تتغير منذ قرن من الزمن.

أسافر من باريس إلى البندقية، عبر زيوريخ وإينسبروك وجنوب التيرول، على متن قطار هو الأشهر في العالم. الزمان هو آب (أغسطس) 2021؛ لكن في هذه الساعة، ووسط هذا الهدوء، يمكن أن نشعر بسهولة بأننا في عام 1951. أو ربما في عام 1921، حين كان قطار Venice-Simplon Orient Express، مع لمسته الحداثية، لا يزال في أولى سنوات انطلاقته، وكان يمثّل طريقة جديدة للسفر العصري المتميّز، وقد أبصر النور في أعقاب مرحلة سادتها الاضطرابات، وعلى مشارف عقدٍ تَداخل فيه الالتباس مع الأمل.



مقصورة لشخصين "أصغر حجماً لكنها لا تقل فخامة" © بيلموند / هيلين كاثكارت


"لن يكون في تأنقك مبالغة" © بيلموند / مارتين سكوت باول


دخلنا العقد الثالث من القرن الحالي، والظروف ليست مختلفة. أُعيد إطلاق قطار VSOE في حزيران (يونيو) 2020، وسيكون العديد من المسارات الأوروبية الجديدة والخطط الطموحة في واجهة عصرٍ ذهبي جديد في عالم السفر، فيما نخرج من حجرٍ فرضته علينا جائحة "كوفيد-19". فهل يمكن لأجواء الترحيب في القطار وما يواكبها من كافيار وشمبانيا، ولموظفي الخدمة بستراتهم البيضاء، وللأطباق الفاخرة الشهية والمناظر الطبيعية الخلاّبة، أن تروّج لإبهارٍ عُرِفت به المدرسة القديمة، ويتراوح من المستويات العادية إلى الإسراف المترف، في عالمٍ جديد تُطرح فيه علامات استفهام حول فكرة الترف بعد الجائحة؟

يتوقّف ذلك، إلى درجة معيّنة، على مدى استعداد المرء لأن يطأ بقدمَيه عالم الفنتازيا، سواء انتعل حذاء Oxford لمّاعاً أم حذاءً بكعب عالٍ جداً. ركبتُ القطار في ساعة متأخرة من بعد الظهر للانطلاق من المسلك رقم 6 في محطة Gare de l’Est، وعبور المسار الأكثر شعبية لقطار VSOE. في هذا الصيف، توقّف الاستقبال الضخم الذي يُقام في العادة على السجادة الحمراء، حفاظاً على التباعد الاجتماعي؛ وهكذا أُرشِدَ كل واحد منا على انفراد عبر السلالم المؤدّية إلى كل واحدة من المقطورات الزرقاء اللامعة، ثم إلى حجراتنا الجميلة، فيما كانت مجموعة من الحمّالين تعمل سريعاً على وضع الملصقات اللازمة على الحقائب وتسليمها. تعود جميع المقطورات، وعددها 17، إلى عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته، وقد استُقدِم بعضها من قطارات أخرى، وتم شراء بعضها الآخر في مزاد علني في دار Sotheby’s، وأُنقِذت مقطورة متداعية هُجِرت في إحدى الحدائق. التصميم الداخلي في إحدى المقطورات من توقيع رينيه لاليك؛ واستُخدِمت مقطورة أخرى ماخوراً في ليموج خلال الحرب العالمية الثانية؛ لكن مقطورة ثالثة علقت في مترَين من الثلج في تركيا عشرة أيام (حدث ألهم اللغز في رواية أغاتا كريستي، وأصبح جزءاً من الثقافة، بقدر القطار نفسه).



مقطورة البار المتألقة والمتميزة بأثاثها الوثير والفخم في قطار Venice-Simplon Orient Express © بيلموند / مات هيند


"كميات وافرة من الشراب الممتاز" © بيلموند / أليكس برامال


كنت في جناح البندقية، أحد الأجنحة الكبرى الجديدة على متن القطار؛ فقد أُطلِقت الأجنحة الثلاثة الأولى في عام 2019، وأضيفت ثلاثة أخرى في هذا الموسم. تحمل هذه الأجنحة أسماء المدن التي مرّ فيها القطار تاريخياً؛ فإلى جانب البندقية، هناك أجنحة إسطنبول، وفيينا، وبراغ، وباريس وبودابست الكبرى (لا بد من أنها محط ترحيب كبير من المخرج ويس أندرسون الذي كان دائماً من ركّاب القطار وعشّاقه)، وهي غرفٌ فندقية مصغّرة على عجلات. تتألف عربة القطار من ثلاثة أجنحة فقط، وهي تتزيّن بوفرة بالحرير والمخمل والخشب العقدي اللمّاع والنحاس المصقول. للأجنحة حماماتها الكاملة، مع مغاسل مصنوعة من زجاج البندقية، وبلاط رخامي، ورشاش ماء للاستحمام. باقي الغرف في القطار أصغر كثيراً، لكنها لا تقل فخامة؛ فلكل غرفة حمامها الخاص، وبار صغير، ومساحة للجلوس تتحوّل إلى سرير مزدوج أو سرير عادي من طابقَين.

لا يُطلَب صراحةً وضع ربطة عنق سوداء؛ لكن إن فعلت يصبح الأمر أكثر متعة"


يمكنني أن أؤكّد أن سحر قطار VSOE لم يتبدّل أبداً، بالرغم من كل التحولات التي أحدثتها السنون والثقافة في النظرة إلى الإبهار. أو ربما بقي هذا السحر على حاله بسبب هذه التحولات، فالتفكير يدور دورته كاملة ويعود إلى الجذور في إطار السعي إلى بناء عالم ما بعد "كوفيد-19". وتنطبق مصطلحات السفر الحديث، التي استُهلِكت أحياناً إلى درجة أنها تحوّلت إلى كليشيه، بشكل فعلي وحقيقي على هذه التجربة. فقطار VSOE مترف ومذهّب (بعض الأماكن فيه مطلية بالذهب بالمعنى الحرفي للكلمة)، ورائع جداً. لكنه أيضاً أصيل، وبطيء، ويتيح لراكبه تجربة ممتعة ومميّزة. لكل مقطورة حكايةٌ واحدة على الأقل تأسر القلوب؛ يعمل بعض الموظفين في القطار منذ 10 أعوام أو 15 عاماً، وهم مستعدون بكل سرور ليقصّوا تلك الحكايات عليكم.



جناح بودابست الكبير © بيلموند / ماتيا أكيلا


عربة من Venice-Simplon Orient Express © بيلموند / مارتين سكوت باول


لكن قطار VSOE هو أيضاً نتاجُ لمسة ركابه الخاصة. فالأبّهة، أبّهة الموظفين وأبّهة المسافرين، جزء من هذه التجربة. يرتدي الموظفون زياً أزرق ملوكياً مزيّناً بضفائر ذهبية، ويعتمرون قبعات مع حوافٍ جلدية، ويضعون قفازات بيضاء، وترتسم ابتسامات مرحِّبة على وجوههم. ويرتدي الراكب ثياب العطلة مع لمسة معززة من الأناقة والترف (حتى لو كان لباسه في الأصل مترفاً إلى حد كبير)، فهذه هي التعليمات، أو أقله الإرشادات (يرد في الفقرة المتعلقة بقواعد اللباس في تأكيد الحجز: "لن يكون لباسك مبالَغاً فيه على الإطلاق على متن قطار Venice-Simplon Orient Express"). لا يُطلَب صراحةً وضع ربطة عنق سوداء إلى مأدبة العشاء؛ لكن من المؤكّد أن وضها يجعل الأمر أكثر متعة. لعل الأهم أنها تُكرِّم روحية المشروع. فالقطار والموظفون يؤمّنون أجواء الرفاهية والترف، والتاريخ العريق، والطعام الفاخر، وكميات وافرة من الشراب الممتاز. لكن، ليتجلّى الانبهار القديم على نحوٍ مقنع، على الجميع أن يُقدّم مساهمته الخاصة.

إذاً، النيّة هي ما يصنع السحر. ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الإبهار يترافق مع قليل من الشقاوة، وهي من المزايا التي صنعت أسطورة قطار VSOE، في الآداب والأفلام كما في الحياة الحقيقية، في السابق، وفي الحاضر أيضاً (كما نأمل). بعد الاستقبال حيث يُقدَّم كافيار Petrossian وشمبانيا Veuve Clicquot، فيما ترسل الشمس عند المغيب أشعتها المائلة عبر متنزه الغابات الوطني حين يمرّ القطار في المكان، وبعد عشاء مترف من كركند أزرق بنصف قوقعة، واحتساء كأس في البار حيث يمكن المرء أن يغنّي بجانب البيانو، مَن يدري ماذا ينتظركم عند العودة إلى الغرفة ذات الأثاث الباذخ، إذا لم تُشتِّت جبال الألب انتباهكم؟ من الأفضل للمسافر أن يعتني بهندامه، وأن يكون مستعداً تماماً لهذه التجربة.

رحلة لليلة واحدة ابتداءً من 2750£ للشخص الواحد، belmond.com

شارك برأيك

0 تعليقات