مجلة الرفاهية العصرية تصدرها إيلاف بالاتفاق مع فايننشال تايمز

تسوق

جوهرة في التاج

فيما يحتفل محترف Cartier في لندن بمئويته الأولى، يغوص نِك فولكز في الأرشيف للكشف عن أعظم نجاحاته

الملكة تضع بروش Williamson، تشرين الأول (أكتوبر) 1955 © Reg Speller/Fox Photos/Hulton Archive/Getty Imagesالملكة تضع بروش Williamson، تشرين الأول (أكتوبر) 1955 © Reg Speller/Fox Photos/Hulton Archive/Getty Images

من النادر جداً مشاهدة وريث العرش البريطاني يتجوّل في المتاجر في لندن. لكن، لو مررتم في شارع نيو بوند ستريت حوالى الساعة الحادية عشرة قبل ظهر يوم 24 حزيران (يونيو) لرأيتم أمير ويلز وزوجته يُستقبَلان بحفاوة في متجر Cartier.

حتى إن الخبر ورد في السجل الرسمي لأنشطة البلاط الملكي: "قام أمير ويلز ودوقة كورنوول هذا الصباح بزيارة Cartier، في 175-177 شارع نيو بوند ستريت، احتفالاً بالمئوية الأولى للمحترف اللندني". إذاً، ومن خلال جملة نثرية مقتضبة صادرة عن القصر، انطلقت الاحتفالات بمئوية محترف English Art Works التابع لـ Cartier في لندن، وهو من أكثر الأسرار إحاطةً بالكتمان في شارع بوند ستريت.
 

باربرا هوتون تضع تاجاً من Cartier في بورتريه بعدسة سيسيل بيتون  © Camera Press/Cecil Beaton
 

قبل ثلاثة أيام من زيارة صاحبَي السمو الملكي، أمضيتُ يوماً كاملاً في التجوّل في الطوابق العلوية لدار Cartier في نيو بوند ستريت، والتي تضم الطوابق الواقعة فوق صالات العرض وصالون الزبائن الخاص حيث يُحفَظ أرشيف دار Cartier في لندن، وحيث، في قلب ويست أند، فوق الشوارع التي تحتضن علامات تجارية دولية في عالم الموضة، يواصل نحو اثنَي عشر حرَفياً متمرّساً صناعة منتجات Cartier اللندنية ومجوهراتها.


رسمٌ لأكسسوار الشعر Tutti Frutti من عام 1928 @ أرشيف Cartier في لندن

إن نظرة سريعة جداً إلى سجلات Cartier في لندن، التي وُضِّبت بإتقان ووُضِعت على الرفوف وأُضيفت إليها الحواشي والإحالات إلى المراجع استعداداً لاحتفالات المئوية، تكشف أن الأسرة المالكة البريطانية هي من الداعمين الأكثر وفاءً لمحترف Cartier في لندن. في الواقع، ربما لم تكن دار Cartier London لتبصر النور على الإطلاق 
لولا الجد الأكبر لأمير ويلز الذي كان معروفاً
 بحبّه للفرنسيين.

من أولى الخطوات التي أقدم عليها الملك إدوارد السابع بعد تسلّمه العرش اقتراحه أن تفتتح دار Cartier فرعاً لها في لندن. كانت نصيحة سديدة؛ فقد تلقّت دار Cartier طلبات لصنع 27 تاجاً لحفل تنصيبه، ودرجت العائلة المالكة، منذ ذلك الوقت، على إهداء حلي ومجوهرات من تصميم دار Cartier. وقد وصف دوق ويندسور موسم الأعياد خلال طفولته بطريقة معبّرة: "كان عيد الميلاد في ساندرينغهام أشبه بروايات ديكنز محاطة بأجواء Cartier". ففي عام 1921، حصلت Cartier على تفويضها الملكي الرابع. وحيث تسير الأسرة الملكية، يتبعها المجتمع، ففي العام نفسه افتتحت Cartier محترفاً لتلبية الطلب على تصاميمها، وهكذا أبصر محترف English Art Works النور.

عرض إدوارد الثامن الزواج على واليس سيمبسون مقدماً إليها خاتم Cartier مع حجر زمرد © Bridgeman Images

كان لدار المجوهرات أيضاً دورها في أزمة التنازل عن العرش حين عرض إدوارد الثامن الزواج على واليس سيمبسون مقدِّماً إليها خاتم Cartier مع حجر زمرد يفوق 19 قيراطاً. وبالرغم من القطيعة التي وقعت بين إدوارد وباقي أفراد الأسرة، ظلوا جميعاً متفقين على محبتهم لدار Cartier. في العام نفسه الذي حصلت فيه السيدة سيمبسون على خاتم الخطوبة، أهدى دوق يورك الذي أصبح لاحقاً الملك جورج السادس، زوجته، أي الملكة الأم لاحقاً، تاج "الهالة" الشهير المصنوع في لندن، والذي شوهِد آخر مرة يزيّن جبين دوقة كامبريدج في يوم زفافها.

كان BEA Cartier London مجرد مخزن للمنتجات المصنوعة في باريس، لكن مع افتتاح المشاغل فوق صالة العرض في شارع بوند ستريت، سرعان ما طوّرت Cartier في لندن أسلوباً وهويةً خاصَّين بها. وكان للتيجان دورٌ بارز في هذا الإطار. فحتى عام 1958، كانت المبتدئات يُقدّمن أنفسهن في البلاط الملكي في احتفالات اجتماعية قائمة على الشكليات القديمة تبقى فيها حلية الرأس المرصّعة بالمجوهرات من الثوابت التي لا يمكن الاستغناء عنها. وأصبحت دار Cartier في لندن محطة أساس لتصميم التيجان، بحسب بيار رينيرو، المدير الإبداعي المخضرم لدى الدار الذي يشرح: "عدد التيجان المصنوعة في لندن أكبر كثيراً [من العدد في باريس]، لأن أسلوب الحياة في لندن فرض صناعة أعداد كبيرة من التيجان حتى مرحلة متأخرة من القرن العشرين".

كان عيد الميلاد في ساندرينغهام أشبه بروايات ديكنز محاطة بأجواء Cartier


متجر  Cartier في لندن © Cartier

بما أن التيجان كانت جزءاً من الزي (على غرار قبعة التلميذ أو القبعة المستديرة التي يعتمرها المصرفيون)، وبما أنها كانت من الضروريات لا من الكماليات، بات محترف English Art Works يتميز بإبداع شديد في ابتكار تصاميم يمكن تفكيكها واستخدامها قلادات ودبابيس بروش. واشتهر المحترف أيضاً باستخدامه الأحجار شبه الكريمة مثل الزبرجد والسترين والتوباز، في إبداعٍ يمكن أن يُلمَس بسهولة في سجلات المبيعات، والصور الفوتوغرافية، وكتب الطلبات التي تتولى الإشراف عليها جيني رورك، رئيسة الأرشيف لدى دار Cartier في لندن من مكتبها المرتفع في وست إند. وفيما رحتُ أقلّب في الدفاتر القديمة بطريقة عشوائية على ما يبدو، والتي تعبق بالتاريخ العريق والبريق الرائع، راودني شعورٌ أشبه بشعور عالِم الآثار الإنكليزي هوارد كارتر (أو بالأحرى هوارد كارتييه؟) وهو يلقي نظرته الأولى على قبر توت عنخ أمون.
تعلّق رورك فيما أتأمّل الصفحات أمامي: "في عام 1928، كنا نصنع قطعاً مثل أكسسوار الشعر Tutti Frutti. غالباً ما يتردد أن هذا الأكسسوار أُنجِز خصيصاً تلبية لطلب إدوينا ماونتباتن، لكنها اشترته من المخزون في أواخر عام 1928، قبل ولادة طفلتها الثانية باميلا، وهناك بورتريه شهير تظهر فيه وهي تحمل طفلتها وتضع الأكسسوار في شكل سوارَين؛ فالتصميم ينقسم إلى ثلاث قطع، وتشكّل القطعتان الخارجيتان سواراً. وقد حُظِر تصديره في عام 2004، فانتهى به الأمر في متحف فيكتوريا وألبرت، وفي ذلك دليل على المهارة الحرَفية العالية التي تتمتع بها المحترفات في لندن".

مطفأة سجائر مطلية بالذهب والمينا، 1947 Cartier © Nils Herrmann
علبة سجائر مصنوعة من الذهب والعقيق والمينا، 1964  Cartier © Nils Herrmann

 

بالكاد تلتقط أنفاسها قبل أن تتابع وهي تتأمل قلادة رائعة جداً من الياقوت: "هذه القلادة موجودة الآن في مجموعة آل ثاني، لكنها صُمِّمت في الأصل بتكليف من مهراجا نواناجار في عام 1937، أو ربما 1938. ثم أصبحت جزءاً من المخزون، واشترتها غلوريا غينيس التي تزيّنت بها في حفل تنكري بالأبيض والأسود أقامه الكاتب الأميركي ترومان كابوت، متمرّدةً بذلك على قواعد اللباس في الحفل. تاريخها إذاً منوّعٌ وغني".
تضيف رورك: "قلادة حيدر أباد التي وضعتها الملكة موجودة في هذا الألبوم". تَظهر الملكة على أوراق نقدية منها الدولار الباهامي وهي تضع هذه القلادة التي حصلت عليها من حاكم حيدر أباد الملقّب بـ "نظام" لمناسبة زفافها. تروي رورك أنه "عرض على الملكة زيارة دار Cartier لاختيار هدية زفافها"، لكنها تعجز، في لحظة نادرة من السهو، عن إيجاد الصفحة حيث صورتها وهي ترتدي القلادة. تقول معتذرةً: "أعتقد أنها يجب أن تكون هنا، لكنها غير موجودة. لديّ خمسة ألبومات تعود إلى تلك الحقبة، لذلك أضيع بينها أحياناً".
للأسف، فُقد بعض القطع بصورة نهائية. توقفنا عند صورة قلادة لباربرا هوتون. لم يعد لها وجود. تشرح رورك: "أُضيفت أحجار الزمرد إلى تاج باريس الذي يظهر على رأسها في البورتريه بعدسة بيتون". إذاً، هل أعادت دار Cartier في باريس تصميم التاج؟ يا له من انتهاك للحرمات!

خلاّط كوكتيل مطلي بالفضة © 1932 Cartier. Nils Herrmann
© Cartier. Nils Herrmann, Cartier Collection

إلى جانب القطع البارزة المملوكة من العائلة المالكة أو التي ينتهي بها الأمر في المتاحف والمجموعات الخاصة، ثمة جانبٌ أقل عظمة في الإنتاج الإبداعي للمحترف. إنها لمسةٌ من الغرابة أنجذب إليها، سواءً كانت فراشي الشعر المطعّمة بالذهب والتي صُمِّمت بتكليف من الممثل البريطاني ستيوارت غرانجر، أو أقواس تقويم الأسنان المرصّعة بالذهب، أو مطفأة السجائر الذهبية الشبيهة بالكشتبان والمزيَّنة بدعسوقات مطلية بالمينا التي اشتراها الممثل البورتوريكي خوسيه فيرير.
الأفضل على الإطلاق هو الساعات اللندنية التي صُممت في الستينيات والسبعينيات، وقدّمت أسلوب البوب الذي يتميّز به شارع كارنابي ستريت المجاور في قالبٍ جديد لزبائن شارع بوند ستريت، فتركت إرثاً من الساعات الخاصة بدار Cartier مثل Maxi Oval، و Pebble، و Octagon، و ساعة Crash الشبيهة بساعات Dali والتي لها تأثير المخدّر فعلاً، وهي بمثابة نسخة Cartier من ساعة Paul Newman Daytona، لكنها أكثر ندرة إلى حد كبير. وبما أن رورك تعرف ولعي بالساعات، أفرغتْ ملفاً من تصاميم أقراص الساعة القديمة على الطاولة، وكأنني وقعتُ على "مخطوطات البحر الميت" الخاصة بصناعة الساعات لدى دار Cartier.

الأمير تشارلز يرتدي ساعة Cartier أثناء رسمه في قصر أوميا في اليابان © Tim Graham

للأسف، أصبحت ساعات دار Cartier اللندنية مطلوبة جداً إلى درجة باتت معها أسعارها تتجاوز كثيراً إمكاناتي المادية. لكنني جمعت بعض الحلي الفينتدج، وهي عبارة عن ساعة صغيرة، وملقط للأوراق النقدية، وأداة مطلية بالفضة للمساعدة على انتعال الحذاء – إنها أغراض متواضعة تضفي، بفضل المهارة الحرَفية في صنعها واستخدام معادن قيّمة إنما غير مبالَغ فيها، طابعاً احتفالياً على أمور يومية بسيطة جداً. لذلك، أدرك تماماً شعور بيتر ويلدينغ حين أسرّ لصديقه في شباط (فبراير) 1958 قائلاً: "لم أحصل على علبة سجائر جديدة منذ أشهر، وأعتقد أن علبة جديدة من توقيع Cartier سوف ترفع معنوياتي".
كان ويلدينغ مؤرّخاً وكاتباً ومحبّاً للفنون والجماليات وهاوياً لجمع النوادر وصديقاً للكاتب البريطاني إيان فليمنغ. ذات يوم، كان يتمشى برفقة صانع شخصية جيمس بوند في شارع بوند ستريت حين توقّفا لتأمّل بعض العلب من توقيع دار Fabergé. فقال فليمنغ لويلدنغ: "أتحدّاك أنك لن تتمكن مجدداً من الحصول على علب مصنوعة بهذه الطريقة". فقرر ويلدينغ قبول التحدي، وبدأ بتعاونه الاستثنائي مع Cartier، بحسب ما وصفته المؤرّخة المتخصصة بالمجوهرات جودي رودو. كانت النتيجة 17 علبة سجائر مطلية بالذهب والمينا ومرصّعة بالأحجار الكريمة، وهي معروضة حالياً في المتحف البريطاني نظراً لجمالها الفائق. وقد شعر ويلدينغ برابط عميق مع دار Cartier اللندنية إذ كان يصفها بـ "متجري الصغير للمجوهرات".
هذا المستوى من الروابط هو ما يتذكّره الحرَفيان السابقان ديفيد سورتيس وباسفورد حين يتحدثان عن عملهما في محترفات Cartier اللندنية خلال ذروة تألّقها في منتصف القرن العشرين. يروي سورتيس الذي بدأ العمل لدى الدار في عام 1956: "كنا نصنع قطعاً كبيرة، دبابيس بروش، وقلادات وتيجاناً كبيرة. كانت تُنظَّم حفلات للمبتدئات سنوياً، وكان الجميع يتزيّن بالمجوهرات".


بروش Williamson المصنوع من البلاتينوم والماس، مع ماسة زهرية في الوسط عيار 23 قيراطاً © Cartier. Cartier Archives, London

يتذكّر باسفورد عملاً مطبوعاً في الذاكرة. يروي متذكِّراً نموذجَين من القطعة نفسها: "صنعنا البروش للملكة مع الماسة الزهرية الكبيرة. إنه بروش Williamson. صنعنا قطعة حقيقية، وكذلك نسخة طبق الأصل عنها، كي تتمكن من وضعها في أوقات مختلفة، لكن الشكل هو نفسه".
يبدو أنه لم يكن ثمة طلبٌ صعب بالنسبة إليهم. كان هناك مثلاً الحاكم الآسيوي الذي كان مولعاً بالمَحافظ. يروي باسفورد بدهشة: "كنتَ تجد عنده كل المواد التي يمكن أن تُصنَع منها المحفظة، مثل جلد الأفاعي، وجلد التماسيح... كانت زوايا المحفظة مرصّعة بالماس، وكان الإبزيم يُصنَع من الأحجار الكريمة".
لكن، حين انتقلت ملكية دار Cartier إلى خارج العائلة، اختفى الطابع الفردي الذي كان يميّز سابقاً الدار اللندنية عن دار Cartier في باريس ونيويورك. وانطلقت العلامة التجارية في المسار الذي قادها إلى مكانتها الحالية حيث أصبحت من العلامات التجارية التي تحدد الاتجاه العالمي في ميدان الرفاهية والترف. وكان المحترف الذي انتقل آنذاك من المقر الرئيسي التاريخي في شارع نيو بوند ستريت إلى مكان مجاور أقل بريقاً، لا يزال يصنع المجوهرات، لكنها كانت في معظمها عبارة عن قطع للمخزون، مثل أساور تنس وما شابه، مخصصة لدار Cartier الباريسية. تراجعت الأعمال خلال الأزمة المالية في عام 2008، وباتت تقتصر بصورة أساسية على التصليحات وخواتم الخطوبة، إضافةً إلى ولاء العائلة المالكة الذي ساهم في استمرار العمل في المحترف.


محترف English Art Works، قرابة عام 1930 © Cartier. Cartier Archives, London

لكن تتغير مكانة المحترف تحت إشراف لوران فينيو، العضو المنتدب لدى Cartier في المملكة المتحدة. يقول فينيو الذي تولى منصبه في عام 2013: "حين قررنا ترميم المبنى، أول شيء فعلناه كان إعادة المحترفات والأرشيف إلى بيتها الأول في مبنى رقم 175 بشارع نيو بوند ستريت". يعمل فينيو بهدوء كي تستعيد المحترفات اللندنية بعضاً من أهميتها. واحتفاءً بالترميم، أعادت دار Cartier في عام 2018 إصدار نسخة احتفالية من ساعة Crash اللندنية وخلاط كوكتيل فضي من الثلاثينيات.

تضفي قطع Cartier الفينتدج طابعاً احتفالياً على الأمور اليومية البسيطة

هذا الخريف، سوف يستضيف المبنى رقم 175 في شارع نيو بوند ستريت معرضاً لقطع من تصميم دار Cartier في لندن، وبعضها سيكون معروضاً للبيع. ويأمل فينيو بأن يقود الاهتمام الذي انصب على محترف English Art Works في مئويته الأولى إلى إنتاج المزيد من القطع في لندن. المشاريع التي يخطط لها بعيدة المنال نوعاً ما، لكن تطلعاته كبيرة: "أحلم بأن تُصنَع ذات يوم في محترف لندن قلادات Tutti Frutti كما كان يحصل في عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته".

شارك برأيك

0 تعليقات