مجلة الرفاهية العصرية تصدرها إيلاف بالاتفاق مع فايننشال تايمز

صحة

السكر تحت المجهر

تتبُّع مستوى السكر في الدم هو التقنية الأحدث للاختراق البيولوجي في الصناعة الرائدة المتخصصة بمراقبة الصحة الجسدية، بحسب ما يكشفه جيمي واترز

رسم: آنا بارينيرسم: آنا باريني

كيف تتعرف إلى مستخدمي تقنية الاختراق البيولوجي في عام 2021؟ انظر إلى العضلة ثلاثية الرؤوس في الذراع. إذا أُلصِقت بها أداةٌ بحجم قطعة نقدية، فهذا يعني أن الشخص يراقب مستويات السكر في دمه بدقّة متناهية. من مستخدمي هذه التقنية بطل العدو في سباقات الماراثون إليود كيبشوغ، والممثّل أورلاندو بلوم، والمتنوِّرون الذين يهتمون بقضايا الصحة في سيليكون فالي.

تلك الأداة الصغيرة المستديرة هي جهاز لرصد مستوى السكر الدموي بصورة مستمرة (CGM). استخدامها شائع لدى مرضى السكّري، وتقوم بتتبّع مستويات السكر الدموي في الوقت الحقيقي من خلال إبرة مجهرية "تُركَّب" في الجزء العلوي من الذراع (من دون الشعور بالألم، كما قيل لي). ابتكرت مجموعة من الشركات الناشئة تطبيقات تقترن بتلك الأجهزة. تجعل هذه الشركات من مستويات السكر الدموي مقياساً جديداً لتوجيه التغييرات في أنظمتنا الغذائية، كي نحقق، بحسب الوعود، أكبر درجة ممكنة من اللياقة البدنية والطاقة.

ثمة فرصة سانحة كي يفهم الأشخاص ما الأطعمة التي يجب أن يتناولوها ولماذا؟

جوش كليمنت، مؤسّس شركة Levels 

يسجّل مستوى السكر الدموي، وهو يُستمَد بصورة أساسية من الأطعمة الغنية بالكربوهيدرات، ارتفاعاً حين نأكل ونمارس الرياضة. وبما أنه مصدر الطاقة الأساسي للجسم، يؤدّي دوراً مهماً في حياتنا اليومية. لكن تاريخياً، الأشخاص الوحيدون الذين يراقبون مستوى السكر في دمهم هم المصابون بداء السكّري الذين يعانون باستمرار من ارتفاع مستويات السكر. تريد الشركات الناشئة - ومنها Levels وJanuary AI في سان فرانسيسكو؛ وNutriSense في شيكاغو؛ وSupersapiens في أتلانتا؛ وVeri في فنلندا - أن تنشر التوعية عن السكر الدموي بين جمهور أوسع. تقول نوشين هاشمي، الرئيسة التنفيذية لشركة January AI: "إن الهدف الذي تسعى إليه شركة January AI هو مساعدة الأشخاص كي يكونوا على دراية بما يحدث في أجسادهم، تماماً مثلما تضعون خاتم Oura لمراقبة نومكم أو ترتدون ساعة Apple Watch لتتبّع نشاطكم"، مضيفةً: "إننا نرى أن ثمة إمكانية لمراقبة الحالة الصحية لجميع السكان بصورة مستمرة".

إنها خطوة إضافية في مسيرة مراقبة أجسامنا، تماماً مثلما نرصد خطواتنا، ونومنا، والسعرات الحرارية التي نستهلكها، والدورة الشهرية، ومعدل دقّات القلب. (أخشى أحياناً أن تكون قد أفلتت مني جميع الأشياء التي أقوم بتتبّعها). لكن إطلاق تقنية مراقبة مستوى السكر الدموي هو، من نواحٍ كثيرة، خطوة آلية أتت بشكل طبيعي. تشير التقديرات في المملكة المتحدة إلى أن 13 بالمئة من الأشخاص يعانون من مقدّمات السكري، أي مرحلة ما قبل الإصابة بالسكّري، أو هم مصابون بالسكّري غير المشخَّص، في حين أن النسبة تصل إلى 37 بالمئة في الولايات المتحدة. ويعتبر خبراء مثل الدكتور آرون نينشتاين، وهو طبيب اختصاصي في الغدد الصماء في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، أن عدداً كبيراً من الأشخاص لا يعرفون ما هو وضعهم الفعلي في ما يتعلق بصحة الأيض أو التمثيل الغذائي. في هذا الإطار، خلصت دراسة أجريت في عام 2018 إلى أن 12 بالمئة فقط من البالغين الأميركيين يتمتعون بصحة مثالية على مستوى عملية الأيض. يقول نينشتاين: "يعاني المجتمع اعتلالاً شديداً في عملية الأيض، بسبب الأطعمة التي نتناول، ومستويات الإجهاد، ونقص النوم. لسوء الحظ، أمراض الأيض وداء السكري من النوع الثاني شائعة جداً وتنتشر بصورة متزايدة".

تُقدّم الأدوات التي طوّرتها هذه الشركات الناشئة إمكانيات مغرية، فهي تتيح تجنّب الإصابة بداء السكّري من النوع الثاني، وغيره من أمراض الأيض منها أمراض القلب والبدانة، إضافةً إلى المزايا اليومية التي تؤمّنها مثل تفعيل الأداء الجسدي إلى الحد الأقصى، والتخلص من الخمول الذي يصيب الجسم في فترة العصر.

هذه الخدمات باهظة الكلفة. وفي هذا الصدد، يصل ثمن الخدمة الشاملة التي تقدّمها شركة Levels إلى 399$؛ وتبيع شركة January AI منتجها ابتداءً من 288$؛ أما قيمة العرض المتكامل والممتد لثلاثة أشهر من شركة Supersapiens فتصل إلى 450€. تشمل هذه الخدمات أجهزة الرصد المستمر لمستويات السكر الدموي، علماً أن على المستخدمين في الولايات المتحدة الحصول على وصفة طبية لشراء هذه الأدوات (لا ينطبق هذا الشرط على المستخدمين في أوروبا). تقوم التطبيقات خلال أسابيع عدة بتحليل بيانات أجهزة الرصد المستمر لمستويات السكر الدموي الخاصة بالمستخدمين (لولا ذلك، لم يكن معظم الأشخاص ليفهموا فحواها)، وتقترح تغييرات قابلة للتطبيق ومكيَّفة بحسب احتياجات كل شخص، وتقوم على الأطعمة التي يجب تناولها وتلك التي ينبغي تجنّبها، وعلى تحديد الأوقات الملائمة لممارسة التمارين الرياضية. يقول مؤسّس شركة Levels، جوش كليمنت: "بدلاً من اتباع ما هو رائج على صعيد الأنظمة الغذائية، نحصل على بيانات مستمدّة من مؤشرات الجسم ونستند إليها لاقتراح تغييرات على الأشخاص. ثمة فرصة هائلة سانحة لمساعدة الأشخاص كي يفهموا أي أطعمة يجب أن يتناولوها ولماذا".

استقطبت هذه الابتكارات مجموعة صغيرة إنما نافذة من الزبائن حتى الآن. لدى شركة Levels، التي أصبحت في مرحلة الاختبارات النهائية، أكثر من 10000 مشترك أميركي، وتحصل على الدعم من شركة Andreessen Horowitz ذائعة الصيت في مجال رأس المال الاستثماري؛ وجمعت شركة January AI تمويلاً قدره 21 مليون دولار بفضل الرئيسة التنفيذية السابقة في شركة Yahoo، ماريسا ماير، ومستثمرين آخرين؛ وتعمل شركة Supersapiens التي تتألف قاعدة عملائها بصورة خاصة من الأوروبيين الذكور، مع رياضيين أمثال كريس ليفرمان الحائز على لقب "الرجل الحديدي" في رياضة الترياثلون، والدرّاجة الأولمبية آنا فان دير بريغن. وساهمت الشائعات المتداوَلة عن أن ساعة Apple Watch 7 التي ستبصر النور قريباً سوف تتضمن تقنية لتتبُّع مستوى السكر الدموي في تغذية الطفرة الترويجية في هذا القطاع.

لكن هل هذا مبرَّر؟ هل يمكن أن يؤدّي تتبُّع مستويات السكر في الدم إلى تحسين حالتنا الصحية؟ ليس الأطباء واثقين من ذلك، والسبب الأساس هو شح المعلومات المتوافرة عن مستويات السكر الدموي في الأشخاص غير المصابين بالسكّري. تقول الدكتورة شيفاني ميسرا، المستشارة في طب الأيض في أحد المستشفيات التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية في لندن: "الفرضية هي أن [هذه الشركات الناشئة] ترى البيانات وتستنتج بطريقة ما أنها ليست ضمن المعدلات ’الطبيعية‘ [فتقترح تغييرات في النظام الغذائي]". لكنها تردف: "لا أعرف كيف سيستنتجون ذلك، فليست هناك معدلات طبيعية محددة للأشخاص من مختلف الأعمار والإثنيات". وتبدي أيضاً قلقها من أنه "في حال تتبُّع الشخص مستويات السكر في دمه على مدار الساعة، قد تساوره المخاوف بشأن مؤشرات أخرى في جسده علماً أنها تكون، في الواقع، ضمن المعدلات الطبيعية".

نميل إلى الاعتقاد بأن الأطعمة التي تتسبب بارتفاع وهبوط شديدَين في مستوى السكر الدموي تجعلنا نشعر بالتعب، لكن الأمر ليس بهذه البساطة. يقول نينشتاين: "تحدث أمورٌ كثيرة في الجسم بعد تناول الطعام. ربما هناك أمورٌ أخرى مرتبطة بما أكلته، وهي التي تولّد لديك شعوراً مغايراً؛ وقد يكون مستوى السكر الدموي أحد هذه الأسباب. لا نعلم".

بالرغم من ذلك، أكّدت دراسة إسرائيلية أجريت في عام 2015 (من بين دراسات أخرى) أن تفاعل مستوى السكر في الدم يختلف بين الأشخاص الأصحاء وأولئك الذين هم في مرحلة ما قبل السكّري: سجّلت مستويات السكر لدى أحد الأشخاص ارتفاعاً بعد تناوله قطعة كعك صغيرة، فيما بقيت مستقرة بعد تناوله موزة، وحصلت ردة فعل معاكسة لدى شخص آخر بعد تناوله الكعك والموز. يعلّق الدكتور سنيل كوليواد، رئيس قسم طب الغدد الصماء والأيض في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو: "يقودنا ذلك إلى الاستنتاج أنه في حال أتيحت لك القدرة على الوصول إلى معلومات عن مستويات السكر في الدم في الزمن الحقيقي، يمكنك أن تختبر أنظمة غذائية عدة وتحدد المسار الملائم لك".

تقول مادلين، وهي مهندسة برمجيات، إن نظامها الغذائي أصبح، بعد استخدام منتَجات شركة Levels، "أكثر صحية قليلاً، أو أقلّه أصبحتُ أكثر قدرة على التمييز حين أتناول طعاماً غير صحي". وقد دفعت منتجات Supersapiens بجوناثان جورج البالغ من العمر 57 عاماً والذي يتدرب للمشاركة في ماراثون لندن، إلى اعتماد نظام غذائي أكثر غنىً بالدهون. يقول جورج: "كان أمراً مبهراً أن أتمكّن من رؤية التأثير الذي يمارسه نظامي الغذائي على مستويات السكر الدموي في جسمي".

في الواقع، حتى لو كان جزء كبير من التغييرات في النظام الغذائي واضحاً وبديهياً، يمكن لرؤية البيانات بأم العين حول تأثير الطعام في أجسامنا أن يكون لها وقع قويٌ جداً. حين يستخدم الأشخاص أجهزة الرصد المستمر لمستوى السكر الدموي، "يتعلمون الخيارات الغذائية ويمارسون التمارين الرياضية بطريقة تمنحهم شعوراً مختلفاً مقارنة بتبادل أحاديث عن العموميات من قبيل أن ’كيك توينكيز غير صحي والسبانخ صحي‘"، بحسب نينشتاين الذي يضيف أن "عيونهم تُشعّ" حين يرون كيف تتبدّل بياناتهم على جهاز الرصد.

إلى الأشخاص المسكونين بهاجس التعامل مع أجسادهم وكأنها آلةٌ يجب تحليلها وإعادة شحنها وتطويرها، تابعوا مسيرتكم نحو التحسين الذاتي. ففي نهاية المطاف، طاقتكم، ومهارتكم الرياضية، وربما أمورٌ أخرى أشد خطورة إلى حد كبير، قد تكون على المحك.

شارك برأيك

0 تعليقات